لقد تحالف التخلف والاستعمار والاستبداد والغفلة والجهل والأهواء في خلق بيئة عامة تديم بلاء الأمة وتبعيتها وفقدان سيادتها. وما نراه اليوم من تحالف عملي لحكومات ونخب في العالم العربي والإسلامي مع الولايات الأمريكية المتحدة لضرب إيران، هو نتيجة مسار طويل من ذلك، بلغ أوجه في الحرب القائمة، وربما هي بداية نهايته بحول الله.
إن المشاركين والمبتهجين بالعدوان على إيران في العالم الإسلامي أطراف عديدة نذكر منها:
– فئات سكانية في سوريا والعراق تضررت من التدخل الإيراني.
– علماء ونخب فكرية وسياسية غلب عليهم النفس الطائفي.
– حكومات متحالفة مع أمريكا
– تيارات مدخلية الوظيفي.
– تيارات علمانية متشددة.
1 – فئات سكانيةً واسعة تضررت من التدخل الإيراني، لا سيما في سوريا والعراق واليمن، وهذه الفئات هي وحدها التي نتفهّم موقفها من بين الأصناف التي سنذكرها. فهؤلاء سُفكت دماؤهم، وشُرّدت عائلاتهم، وتم تصفية علمائهم وقادتهم. وتفهّم مشاعرهم واجب، ولكن لا يلزمون غيرهم بمواقفهم، فالمعركة مع الصهيونية والقوى الاستعمارية أشمل وأعم، ولا يمكن للأوضاع المحلية مهما كانت أهميتها أن تحكم في القضايا الاستراتيجية الدولية التي يترتب عليها مصير الأمة كلها. ولو حقق الأمريكان والصهاينة أهدافهم من هذه الحرب، قد نشهد أوضاعا أسوء مما رأيناه من قبل، وسنصبح جميعا عبيدا لزمرة المجرمين من قادة الصهيونية المسيحية واليهودية والعربية، بل ربما ستشهد المنطقة مجازر مروعة من أجل تحقيق الأحلام التلمودية التي باتت معلنة. وأتعجب كيف يسعى البعض لحبس مصيرنا على تلك الأعمال الشنيعة التي تورطت فيها إيران في سوريا، ولا يتذكرون ما اقترفه حكام مجرمون من السنة في حق شعوبهم، والدهشة تزداد حين نسمع من يجرمون إيران ويتغاضون عما فعلته روسيا ويلتمسون سبل التصالح معها.
إن سفك دم مسلم أعظم من هدم الكعبة، فكيف بفتن كالتي عاشها أهل العراق وسوريا، غير أن الله أمرنا أن نصلح بين المتقاتلين لا أن نديم الصراع والعداوة بينهم، قال الله تعالى: (( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ))، وما جعلت الديات إلا للتصالح بعد القتل لكي لا يسرف الناس فيه، ورحم الله معاوية رضي الله عنه الذي رد على أطماع ملك الروم، في ما ذكره ابن كثير قائلا: (( والله لئن لم تنته وترجع إلى بلادك يا لعين لأصطلحن أنا وابن عمي عليك، ولأخرجنك من جميع بلادك، ولأضيقن عليك الأرض بما رحبت )). وذلك هو الفهم الاستراتيجي الإسلامي التي يتسامى عن ثقافة الثارات الجاهلية.
2 – فئات من العلماء والمثقفين، إما بلا علم وفهم، أو بلا بصيرة، يتماشون مع عواطف المكلومين بدل تهدئتها، وبعضهم يؤججها والعياذ بالله. بعض هؤلاء العلماء يعرفون أنهم يخالفون رأي جمهور علماء أهل السنة في حكمهم المطلق على الشيعة، وبعضهم يتفنن في تسليط الضوء على مواقف منحرفة ومتطرفة من الشيعة في إيران غير بارزة، سألت عليها أفاضل من السنة الإيرانيين فقالوا لي: “هي حالات هامشية في المجتمع الإيراني، وممنوعة رسميا”. ويركز أولئك العلماء والنخب كذلك على الأذى الذي لحق السيدة الطاهرة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، التي ابتلاها الله وابتلى زوجها النبي المصطفى عليه الصلاة والسلام، وابتلانا جميعا بالاعتداء عليها في حياة زوجها ووالدها من قبل المنافقين، وانخرط في الإفك صحابة من المؤمنين. ولكن الله عفا عن الجميع وتسامت السيدة عائشة رضي الله عنها عن العداوة، وعبّرت عن ذلك حين رفضت لعن حسان بن ثابت، الذي خاض في عرضها، بالنظر للجانب المضيء في دفاعه عن رسول الله.
ويضاف إلى الصراع الطائفي مع إيران الصراع العرقي، إذ يبالغ بعض مثقفي السنة في الإساءة للفرس، وهم شركاء أصلاء في مجد الإسلام والحضارة الإسلامية، منهم أئمة الفقه كأبي حنيفة، وكبار علماء الحديث كالبخاري وابن ماجة والترمذي والنسائي وأبي داود، وعلماء اللغة العربية كسيبويه والزمخشري، وعلماء الطب والفيزياء والفلك والكيمياء وغير ذلك، كابن سيناء، والخوارزمي، والبيروني، وجابر بن حيان.
عاش الشيعة والسنة في تعايش تام لقرون من الزمن الى أن قامت الدولة الصفوية التي أسسها أتراك فرضوا التشيع ولم يكونوا من الفرس.
لقد أرادها الله أن تكون (( إن أكرمكم عند الله أتقاكم)) فأرادها هؤلاء طائفية مقيتة، وعرقية نتنة.
أما عن وقوفهم عند مسؤولية إيران في الفتنة في سوريا والعراق واليمن، التي يلبسونها لبوس الطائفية والعرقية، فإن عقولهم ومعارفهم لم تهدهم للفهم بأنها كانت صراعات سياسية، فاختلاف الصحابة واقتتالهم لم يكن عقائديا، ولكن عن أحقية الحكم وإدارة الدولة، وسيدنا معاوية رضي الله عنه، مؤسس الدولة الأموية المجيدة، التي يحتفي بها الطائفيون في مذهبنا السني السمح قاتل سيدَنا علي كرم الله وجهه، لأسباب سياسية، وذريته قتلوا الحسين وأبناء الصحابة. ووقعت الصراعات والحروب بين دول قديمة بشكل عابر للمذاهب في كل الاتجاهات، وفي العصر الحديث حكام دول حديثة سنية فعلوا في شعوبهم الأفاعيل.
وما حدث من صراع بين الشيعة والسنة، وبين إيران ودول عربية حدث أعظم منه بكثير بين البروتستانت والكاثوليك، وبين الدول الأوربية، سواء من حيث مدد الاقتتال، أو عدد القتلى أو حجم التهجير والتدمير، ورغم ذلك تصالحوا وتحالفوا وهم يد واحدة ضدنا اليوم، ونحن لا زلنا ندمر المستقبل بكثرة الرجوع إلى الماضي والتاريخ.
3 – حكومات متحالفة مع أمريكا، وأغلبها حكومات ضعيفة اعتقدت منذ عقود بأن الولايات الأمريكية المتحدة، وقبلها بريطانيا هي التي تمنحها عروشها وتصونها وتحميها من المنافسين في الداخل، ومن المخاطر الخارجية، وظلت هذه السياسية مستقرة منذ تحالف الشريف حسين ثم السعوديين مع بريطانيا ضد بعضهم البعض وضد الدولة العثمانية، وعلى إثر تقسيم سايكس-بيكو بعد ذلك، ثم عبر التطورات الداخلية المختلفة للحكم في العديد من الدول العربية والإسلامية التي كانت أيدي بريطانيا وأمريكا وفرنسا حاضرة فيها دوما بعد مرحلة الاستقلال، ثم التحالف مع الغرب من أجل مواجهة الشيوعية كتيار فكري وضد المعسكر الشرقي أثناء الحرب الباردة، ثم ضد الحركات الإسلامية السنية، خصوصا على إثر الثورات الشعبية السلمية في 2011.
لقد اشتد هذا التحالف أكثر في مواجهة إيران بعد الثورة الخمينية، وصار خطره على الأمة فادحا بعد أن صار ثلاثيا بدخول الكيان الصهيوني فيه ثم قيادته له حاليا. وللأسف ساهمت أخطاء إيران في الحضور القوي للاستعمار الغربي في المنطقة عند تحالفها مع الأمريكان والدول العربية لتدمير العراق بحجة أسلحة الدمار الشامل الكاذبة، ثم اعتمادها من قبل الأمريكان والإسرائليين كفزّاعة لمزيد من التحكم في المنطقة بسبب تدخلاتها في الشؤون الداخلية للدول عبر الأقليات الشيعية فيها.
لقد منح هؤلاء الحكام العرب والمسلمون بلادهم للقواعد العسكرية الضخمة التي يستعملها الأمريكان لصالح إسرائيل، وللتآمر على المنطقة والقوى الحية فيها، ولتسيير الانقلابات ومحاولات الانقلاب كالذي حدث في 2016، وهي اليوم تستعمل بأشكال عدة ضد إيران.
وبالرغم من أنه اتضح لدى هؤلاء الحكام العرب بأن أمريكا لا تحميهم حتى ضد صواريخ الحوثيين رجعوا للإغداق على ترامب بأموال طائلة وهو يقتل أطفال ونساء غزة، وفي “وقت الشدة” وجّهت أمريكا قواها الأساسية لحماية إسرائيل في حربهما ضد إيران وتركوا البلاد العربية مكشوفة.
لو كان ثمة مشروع إسلامي حضاري سني يُعدّ ويسعى لتوحيد الأمة وعودتها الحضارية لحُلّت مشكلة إيران الشيعية باستيعابها في الأمة ذات الأغلبية السنية، وليس بمحاربتها أو التحالف مع الأمريكان ضدها، ولكن للأسف الشديد هذا المشروع الإسلامي السني غير موجود، وإنما توجد مشاريع قطرية علمانية متصارعة بينها، سيأتي عليها الدور بعد إيران واحدة واحدة.
4 – التيار المدخلي الوظيفي:
إن أكثر من يؤجج الصراع الطائفي في الوسائط الاجتماعية التيار المدخلي. وحين أتحدث عن التيار المدخلي لا أقصد التيار السلفي، فنحن نلتقي بمن ينتسب للسلفية في المساجد فلم نر منهم إلا خيرا. قد تختلف معهم في أفكارهم واتجاهاتهم الفقهية ومواقفهم السياسية ولكن لا تشك في تدينهم وفي خدمة القرآن الكريم وعمارة المساجد وتذكير الناس في جوانب مهمة من الدين. أما من يُعرفون بالمداخلة فلا نرى لهم أثرا في الحياة العادية، ولا وجود لهم إلا في الوسائط الاجتماعية ضمن شبكات الذباب الإلكتروني، والأغلبية الساحقة من حساباتهم تُسيّر من دولة الكيان الصهيونى ودولة الإمارات ومن المغرب، وقد كشف مالكُ منصةِ “اكس” ذلك.
بل لقد ظهر من خلال تقاريره التي نشرها لأغراض تتعلق بالداخل الأمريكي، وتقارير أخرى نشرت في وسائل الإعلام، المواضيع التي يشتغل عليها هؤلاء المداخلة، وعلى رأسها كسر أي سردية مضرة للكيان الصهيونى، ونشر العداوة بين الشعوب والجيران، وتيئيس الأمة وإحباط عزائمها خدمة للكيان الصهيونى، فما هم، في الغالب، إلا صنعة رقمية صهيونية لا وجود لها في أرض الواقع.
ومما يتميز به هذا التيار قلة الحياء، والكذب المكشوف، والبذاءة.
وللأسف التقطت بعض الأجهزة الأمنية خيوط هذا التيار فباتت تستعمله وتستعمل مفرداته لأغراض سياسية وتآمرية ضد المعارضين.
والغريب في الأمر أنهم يتهمون غيرهم بالعمالة للأجانب وهم يعلنون انتماءهم لدولة أجنبية وتيار مرتبط اسمه بشخص أجنبي لا وزن له حتى في بلاده، صنعته مخابرات ذلك البلد، كما يعلم الجميع. فتارة يتهمون أشخاصا وجماعات بالولاء لتركيا، وفي نفس الوقت يتهمونهم بالتبعية لإيران، وهو أمر لا ينسجم، فلا يمكن أن تكون مواليا لتركيا، إذا كنت مواليا لإيران، ولا يمكن أن تكون خادما لإيران إن كنت كذلك لتركيا. وحين يتخذ الأحرار المواقف الصادقة لوجه الله تعالى، لصالح أمة محمد صلى الله عليه وسلم، لا يخافون في ذلك لومة لائم، تغيب حجة أؤلئك المداخلة الدجالين المتصهينين، ويُسقط في أيديهم.
5 – التيارات العلمانية المتشددة:
ثمة في العالم الإسلامي تيارات علمانية يسارية ويمينية وقومية أشربت قلوبهم العداء لكل ما له علاقة بالإسلام، ولهم حساسية مفرطة لأي شيء يرمز للدين، ولو في إطار محافظ، لا يميزون في ذلك بين شيعي وسني، وسلفي وصوفي وحركي، وأغلب هذه التيارات لها ارتباطات فكرية وثقافية مع النخب والدول الغربية، وبعضهم لهم علاقات سياسية وأمنية، وقوى مهمة منهم ذات أبعاد عرقية، أو يمثلون أقليات أيديولوجية في بلدانهم، وهؤلاء لا يخفون ولاءهم للغرب ودعوتهم للتطبيع، يدعون في الظاهر إلى الديمقراطية ولكنهم يتحالفون مع الاستبداد والأنظمة العسكرية ضد التيار الإسلامي، معتقدين بأن شعبية التيار الإسلامي هي التي تفسد عليهم اختراق الدول العربية والإسلامية، لهم نفوذ اقتصادي ومالي وساسي كبير، ولكنهم غير آمنين على مستقبلهم بسبب ضعف وسائطهم الحزبية. يكرهون إيران، كما يكرهون تركيا، وكما يكرهون دول الخليج، يكرهون إيران بسبب مرجعيتها الدينية الشيعية، ويكرهون تركيا رغم علمانيتها بسبب الجذور الإسلامية لرئيسها، ويكرهون دول الخليج، رغم عدائها للتيار الإسلامي بسبب منابعها الدينية، وبالنسبة لبعض هؤلاء العلمانيين، بسبب عرقهم العربي ولباسهم العربي.
وهؤلاء العلمانيون، سوى تيار أقصى اليسار، و يقفون اليوم ضد إيران ويتمنون أن تنجح أمريكا في تغيير النظام الإيراني لهذه الأسباب الأيديولوجية.
هذا جزء من الخارطة الواسعة التي تحكم المواقف المتعلقة بالحرب القائمة، وبما هو أبعد من ذلك، والله نسأله الحفظ والصون للأمة كلها، بكل مذاهبها وطوائفها وأعراقها، وأن يجعل هذه الحرب تنقلب على أعداء المسلمين، وأن يكون فيها تسارع نحو تحرير فلسطين.
د. عبد الرزاق مقري
يتجه العدوان الصهيوني الأمريكي إلى مزيد من التعقيد، والمعطيات في هذه المرحلة من الحرب ليست في صالح المعتدين. لا شك أن إيران تتلقى ضربات قاسية من الجبهتين، ولكن التطورات الاقتصادية والسياسية والعسكرية تضغط أكثر على الولايات الأمريكية المتحدة وحلفائها وعلى الكيان الصهيوني والعالم كله. والغريب في الأمر أن اغتيال المرشد الأعلى خدم الإيرانيين أكثر مما خدم المعتدين عليهم، إذ أعطى صورة للداخل الإيراني وللخارج بأن الحرب وجودية فلا بد للإيرانيين من رص الصفوف رغم اختلافاتهم، وأصبح قتالهم بأقصى درجات العزيمة وبلا خطوط حمراء، كما بات تدمير أي تمرد داخلي بقسوة لا لوم عليه، ولا يُستغرب منهم، وهم في التهديد المدمر الذي هم عليه، أن يجروا المنطقة كلها إلى الحرب بمنطق “علي وعلى أعدائي”، ولا بد للعالم المتفرج على العدوان الخطير الذي عليهم دون فعلٍ أن يدفع كله الثمن. هذه هي تصرفات الذي أريد قتله فلم يصبح لديه شيء يخاف عليه.
قد يلوم الأشقاء العرب الإيرانيين على استهداف بعض منشآتهم ومصالحهم، وهذا من حقهم، ومن حقنا أن نتعاطف معهم، ولكن الذي يرى الموت يتربص به لا يكترث بغضب من يتفرجون على موته، بل يلومهم على عدم فعل ما يلزم لوقف خطر تدميرهم. ولئن كان للصهاينة أوراق ضغط قوية على ترامب لجره إلى الحرب، فإن دول الخليج لها كذلك أوراق قوية عليهم أن يستعملوها بعزة ضد ترامب، بدل أن يأخذها منهم بذلة، بدعوى حمايتهم، وهو لم يحمهم حتى من الحوثيين، كما هو معلوم.
لقد علّمنا التاريخ بأن الذي يقاتل بعدما لم يصبح لديه شيء يخسره، يستطيع، في بعض الأحيان، قلب الطاولة، وأن القوي الذي يتمادى في استعمال قوته قد يكسر نفسه بنفسه. لقد حدث هذا في تاريخ الإمبراطوريات الكبرى، بل حتى في تاريخ الحكومات والأحزاب والمنظمات، ومن له اطلاع على التاريخ وسنن التدافع يعلم ذلك.
منذ أن اتجه الإيرانيون إلى التصعيد، بذهنية لم يبق شيء نخسره، بدأت خطتهم تنجح، فنَقْل الحرب إلى الدول التي للأمريكان فيها نفوذ كبير، وضرب الصناعة الطاقوية وقطع خطوط الإمداد، جعل الأمريكان يخسرون على عدة أصعدة، سواء لصعوبة الإمداد العسكري بالطاقة والمعدات ونقل الأفراد، أو بتأكد الحلفاء العرب بأن أمريكا لا تستطيع أن تحميهم، وأن ما تستطيع أن تقدمه من الدعم إنما يتجه لحماية إسرائيل دونهم، كما سيحرك ارتفاع أسعار الوقود والبضائع الرأي العام العالمي، وخصوصا في الدول الغربية، ضد الحرب. وعلاوة على ذلك إذا طالت الحرب ولم يحصل حسم سريع، وربما تبدأ توابيت الجنود تصل إلى أمريكا، عندئذ ستدور الدائرة على ترامب شعبيا، وسينتقم منه الديمقراطيون شر انتقام. وربما هذا الذي يسعى إليه الإيرانيون بإطالة أمد المقاومة وتوسيع مدى الصواريخ والمسيرات. ومن الجهة الإسرائيلية لن يستطيع الإسرائيليون الصمود طويلا أمام القصف المتواصل المعتّم على نتائجه، والذي أدى أقل منه في حرب الإثني عشر يوما إلى طلب وقف الحرب.
لقد أظهرت أخبار العمليات العسكرية للحلف الصهيوني الأمريكي، بأن أهداف الحرب لدى الطرفين تختلف، فبينما يستهدف الجيش الأمريكي القدرات العسكرية لإيران لشل قدراتها على الرد والعودة بنفس النظام إلى طاولة المفاوضات ضعيفا على الشروط الأمريكية، إن اتضح أنه لا يمكن تغييره، يواصل الإسرائليون ضرب البنية التحتية الأمنية والسيادية لتمكين قوى عميلة لهم من إحداث الفوضى في البلاد خصوصا في الحدود مع دول الجوار وأماكن تواجد القوى الكردية.
غير أن هاتين الاستراتيجيتين تعملان بوتيرة في الأثر أبطأ من الاستراتيجية الإيرانية القاضية بإدخال عوامل وعناصر جدية في الحرب لا يمكن التحكم فيها.
يخشى الإسرائليون كثيرا أن يقرر ترامب وقف الحرب إذا رأى بأن الكلفة السياسية عليه كبيرة، أو أن لا يقرر استعمال القوة المفرطة، التي يكون منها السلاح النووي، في حال استعصى وقف القصف الإيراني على دولة الكيان ودول الجوار، وربما على المواقع العسكرية الأمريكية ذاتها.
ولكن ماذا عسى أمريكا أن تفعل إن تماسك الإيرانيون لمدة طويلة سوى الرجوع إلى المفاوضات من أجل حلول وسطى تحترم السيادة الإيرانية.
إن البديل عن ذلك هو إما الدخول البري فتكرر أمريكا لنفسها مأزق الصومال والعراق وأفغانستان، فتتلهى عن الجبهة الصينية وتفقد مكانتها الدولية، أو يصنع ترامب لنفسه – فيتنام جديد – فيسقط كما سقط “نيكسون”. أو أن ينفذ هذا الأخير تهديده بضرب ايران بالنووي، بما يدل على حالة الإرباك الذي هو فيه. وإن فعل هذا الفعل المستحيل، فلن يسير هو فقط لحتفه ولكن سيجر عندئذ الولايات الأمريكية المتحدة كلها بسرعة فائقة إلى الهوة السحيقة ..، التي كان يجرها إليها ببطء.
د. عبد الرزاق مقري
يجب نصرة إيران لأسباب شرعية وسياسية ومستقبلية ومصيرية واضحة لا لُبس فيها، وهي كالتالي:
1 – يجب نصرة إيران لأنها مظلومة، فأمريكا لم تحرك جيوشها لأن ايران اعتدت عليها أو أنها شكلت خطرا عسكريا عليها، أما إسرائيل فهي معتدية على الأمة كلها. ولا يوجد أي مستند قانوني أو أخلاقي لهذا العدوان، وشرعنا علّمنا أن ننصر المظلوم في كل الأحوال، وقد أمر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في حديثٍ شريف رواه البخاري بسبعٍ كان منها نصر المظلوم. وبيّن العلماء أن المظلوم المقصود في الحديث، هو المظلوم كائنا من كان.
2 – يجب نصرة إيران لأنها بلد مسلم، وشعبها شعب مسلم، ونصرة المسلم لأخيه المسلم واجبة شرعا، يقول رسول الله صلى عليه وسلم: – ((ما من امرئٍ مُسلمٍ يخذُلُ امرأً مسلمًا في موضعٍ تُنتَهكُ فيه حرمتُه، ويُنتقَصُ فيه من عِرضِه إلَّا خذله اللهُ في موطنٍ يُحِبُّ فيه نُصرتَه وما من امرئٍ مُسلمٍ ينصُرُ مسلمًا في موضعٍ يُنتَقصُ فيه من عِرضِه، ويُنتهَكُ فيه من حُرمتِه إلَّا نصره اللهُ في موطنٍ يُحبُّ فيه نُصرتَه)).
3 – يجب نصرة إيران لأن تدمير ايران أو تسليمُها لنخبةٍ عمِيلة، معناهُ أن الدور سيكون على العالم الإسلامي كله ابتداء بالمحيط القريب، ثم المحيط البعيد شرقا وغربا، بالتدمير أو التقسيم أو الإخضاع والإضعاف المستدام، لكي يحقق الكيان حلمه التوسعي والتحكم في المنطقة كلها.
4 – يجب أن نكون مع إيران لأنها تحارب القوى المعادية للأمة الإسلامية ولشعوبها، فهي تنوب عنا جميعا في رد الاستعمار الأمريكي الصهيوني.
5 – يجب أن ندعم إيران لأن القضية قضية شرف وكرامة، ولو انكسرت إيران فسَتعيشُ بلداننا حالة خضوع وذل وخنوع لعقود من الزمن، وسيستسلم حكام المنطقة للغطرسة الصهيونية الأمريكية بدون أي مقاومة.
6 – يجب أن ننصر إيران لأن نجاح أمريكا في حملتها الصليبية هذه سيجعلُها تواصل جنونها في الاعتداء على الدول والشعوب، وتعملُ على إخضاع العالم كلِّه لظلمها وغطرستها ولن يكون العالم آمِنًا أبدا، وستُفتح آفاق فِتنٍ لا حصر لها.
اللهم فاشهد .
الخامنائي هو رأس النظام الإيراني وهو المرشد الأعلى للطائفة الشيعية في إيران وخارجها، وعليه يعتبر اغتياله من طرف الجيش الصهيو-أمريكي مكسبا كبيرا للأمريكان والإسرائيليين يمكنهم الانتشاء به.
وهو في نفس الوقت خسارة كبيرة لإيران والشيعة الذين على مذهبها، وهو يمثل لهم نكسة معنوية كبيرة.
غير أن التحول الكبير في اليوم الأول من الحرب لا يعني انتصاراً البتّة للأمريكان والإسرائيليين، ولا يعدّ هزيمة للإيرانيين. إن مقاييس النصر والهزيمة تقاس بأهداف الحرب، وما دام الهدف المعلن من قبل المعتدين هو تغيير النظام فانتصاره لا يتحقق إلا إذا غيروا النظام، سواء باستسلامه أو بالثورة عليه من قبل الشعب، أو الانقلاب من داخله. كما أنه ما دام هدف الإيرانيين هو مقاومة العدوان وعدم الرضوخ لشروط المعتدين، فهم منتصرون ما داموا ماضين في ذلك وقادرين عليه.
ليس من السهل على المعتدين الصهاينة والأمريكان أن يحققوا هدفهم المعلن، فهم يتعاملون مع نظام عقائدي مبني على رؤية دينية وقومية وتاريخية عميقة وصلبة. وحتى في حالة ضعفه يستفيد من حاضنة اجتماعية واسعة وشديدة الارتباط بفكرة النظام، ومستعدة للثبات على الظروف السيئة من أجل معتقداتها وكرامتها، وحوله طبقات قيادية واسعة من نخب عسكرية ومدنية واقتصادية وثقافية تكوّنت على مدار عقود من الزمن.
إن الفكرة لا يقتلها الاعتداء عليها، وعلى أصحابها، بل يزيدها قوة وصلابة، ولو تركت إيران لحالها لكان التدافع الداخلي التلقائي جديرا بتغيير النظام بما يتناسب مع الواقعية السياسية دون التعارض مع أصل الفكرة، والتعويل على معارضة عميلة مرتبطة بالاستخبارات الأمريكية والصهيونية لن ينفع المعتدين في شيء.
بعد أن تجاوزت إيران الصدمة، وشرعت في استبدال المرشد والقادة الذين قتلوا معه، وخرجت حشود شعبية كبيرة في شوارع إيران احتجاجاً على الاغتيال، انقلبت الصورة فصارت العزيمة على الثبات أشد لدى الإيرانيين، وفي المقابل باتت شكوك المعتدين في تغيير النظام من الداخل أكبر . وعليه ستستمر المعركة لتحسم عسكريا لا غير.
وحين نقول بأن المعركة ستحسم عسكريا، نعود للتذكير باستحالة الحسم بدون تدخل بري، والتدخل البري هو عين الهزيمة للأمريكان، حتى ولو نجحوا في احتلال البلد، إذ سيؤدي ذلك إلى انشغالهم الكبير عن مواجهة الصعود الصيني، وربك سياساتهم الدولية، ويوفر بنك أهداف يومية لضربهم في إيران وخارج إيران، ولن يزيد ذلك إلا تهديدا للوجود الإسرائيلي، لأن أكبر من يخسر في أجواء الفوضى هو الكيان الصهيوني ذاته.
يمكننا أن نقول بلا تردد بأن الأمريكان وقعوا في الفخ الإسرائيلي، وسيكونون أمام خيارين كلاهما مسيء للمكانة الدولية لأمريكا، وللوضع السياسي الداخلي لترامب، إما استعمال القوة المفرطة ضد إيران للحسم، كما فعلت مع اليابان في الحرب العالمية الثانية، وسيؤدي ذلك إلى حراك دولي كبير ضدها، وعمليات انتقامية لا متناهية، إذ لن يكون في العالم الإسلامي رضوخ للمنتصر أبدا كما وقع مع اليابانيين والألمان، بل سينقلب العدوان إلى هزيمة ولو بعد حين، أو الرجوع للمفاوضات الدبلوماسية لإنهاء الحرب دون تحقيق أهدافها المعلنة، مع أضرار كبيرة لإيران وللكيان، ثقلها سيكون أكبر على مصير دولة الكيان، وهذا هو المرجح والله أعلى وأعلم.
عبد الرزاق مقري
لم يكن قرار الحرب سهلا على ترامب، فقد اتخذه وصفّه منقسم بين إرادتين: ارادة المعارضين للحرب داخل حاضنته الاجتماعية ( الماغا) التي وعدها بالاهتمام بأمريكا أولا، وإرادة الداعين للحرب داخل اللوبي الصهيوني الداعم له ماليا والمتحكم في ملفات فضائحه في قضية ابشتاين.
إن الحرب حرب تلمودية يشير إلى ذلك الدلالة الرمزية الدينية لليوم الذي تم اختياره لبدء العدوان، وصاحب القرار الحقيقي للحرب هو الكيان الصهيوني. وهذه الحرب خطوة حاسمة لتحقيق حلم إسرائيل التوسعي كما عبّر عنه “نتنياهو” وحلفاؤه اليمينيون صراحة، وأكّده سفير الولايات الأمريكية في تل أبيب “مايك هاكابي” وثبّته يائير لبيد رأس المعارضة اليسارية الصهيونية.
ولكي يمضي في هذا الحلم عليه أن يلغي كل تهديد محتمل على الكيان، والتهديد الأول حاليا هي الصواريخ البالستية الإيرانية، فهي السبب العسكري الرئيسي للحرب هذه المرة، وليس الملف النووي، إذ عند عدم رضوخ الإيرانيين للضغط من أجل تدمير صواريخها تم اتخاذ قرار ضربها.
إنه إذا نجحت الخطة الإسرائيلية في تدمير النظام الإيراني بعضلات أمريكية، سيتم التوجه لإلغاء التهديد السني المتمثل أساسا في تركيا والسعودية ومصر وباكستان، بأي شكل من الأشكال، بما يجعل مشروع التوسع ممكنا .
لقد أعلن نتنياهو عن هذه الخطة بوضوح في خطاب مسجل له، حيث تحدث عن تفكيك المحور السني بعد إضعاف إيران. وبعدئذ سيتم إخضاع المنطقة كلها للإرادة الصهيونية الأمريكية، ويكون حكام العالم الإسلامي، جميعهم، مسؤولين عن سقوطهم وسقوط بلدانهم، وذلك منذ اليوم الذي تخلوا فيه عن إيران وسلّموها للعدوان الذي تتعرض إليه.
ولكن هل سينجح الصهاينة المسيحيون، والصهاينة اليهود في هذا المخطط؟ هل سيسيطرون على إيران ونظامها ومقدراتها؟
هناك عوامل كثيرة تحكم المآل الذي ستصير إليه الأمور ومنها:
– جدية ترامب في الحرب، هل هو منخرط في الحرب خدمة لإسرائيل إلى الآخر، أم أنها مناورة فقط لاستيعاب ضغوطات الصهيانة عليه وابتزازهم له؟ ومدى الجاهزية العسكرية للولايات الأمريكية المتحدة للمضي إلى حرب مدمرة أو طويلة المدى؟
– الأطراف التي ستدخل في الحرب، سواء مع الولايات الأمريكية المتحدة، وأساسا الجيوش الأوربية، أو مع إيران، وأساسا الصين وروسيا وبعض دول العالم العربي والإسلامي.
– مدى قدرة إيران على الرد، ومدى مستوى الأذى الذي تلحقه بالإسرائيليين والمصالح الأمريكية، ومدى صمودها وجاهزيتها لتحمل ضربات العدو وأعباء الحرب المختلفة.
– مدى حجم الاختراق الأمني الذي قد يتعرض له النظام الإيراني.
– مدى تماسك وصمود الشعب الإيراني وبقاؤه موحدا حول قيادة دولته.
– هل ستتحول المواجهة الصاروخيّة إلى مواجهة برية أم لا.
– مدى قدرة الكيان الصهيونى على اعتراض الصواريخ الإيرانية، ومدى قدرته على الصمود، ومدى تحمل جبهته الداخلية للخسائر.
– مدى فاعلية الحراك الدبلوماسي الدولي لوقف الحرب.
من هذه العوامل المؤثرة في مجريات الحرب ثمة عاملان أساسيان هما الأكثر أهمية. الأول هو عامل الجبهة الداخلية الإيرانية، وهو أساس الاستراتيجية الأمريكية الصهيونية. ويؤكد ذلك مضمون خطاب نتنياهو مباشرة بعد بدء العدوان حيث دعا الشعب الإيراني لكي ينتفض ضد النظام الحاكم، وقبله الغضب الشديد الذي عبّر عنه دعاة الحرب في أمريكا بسبب تأخر بدء العدوان مع الاحتجاجات الشعبية التي وقعت قبل أسابيع، وقد صرّح بذلك السيناتور الأمريكي “ليندسي غراهام”، بلا مواربة، موجها لوما شديدا، بل تهديدا، للدول العربية والإسلامية التي ضغطت على ترامب – حسب تصريحه – لمنع الحربً ، وكان يقصد تركيا والسعودية.
ولا أظن أن هذه الخطة ستنجح، إذ برهن الشعب الإيراني على قدرته على تجاوز خلافاته أثناء الحرب، وأن العملاء سيخشون من القتل، والفتك بهم، في الشوارع، من طرف الجيش والشعب كلاهما.
أما العامل الثاني فهو الاختراق الأمني، واحتمال وقوع انقلاب من داخل النظام يؤدي إلى مفاوضات تنهي الحرب على الشروط الأمريكية الإسرائيلية. ولكن يُعتقد أن النظام الإيراني استفاد كثيرا من الاختراقات التي عرفها في حرب الإثني عشر يوما، وأنه بات متحكما تقريبا في الأمر، وأنه مهما كانت الاختراقات لن تستطيع تجاوز الجدار الأيديولوجي للحرس الثوري، ومؤسسات أمنية أخرى.
فإذا فشل الجيش الأمريكي الإسرائيلي في تحقيق الاختراق الداخلي المأمول فسيجد نفسه في مأزق، لأنه لن تُحسم المعركة لصالحه من خلال القصف الجوي وحده، مهما كانت الخسائر التي ستلحق بإيران. وسيضطر عنده إما للتفاوض من أجل حلول وسطى، أو الدخول العسكري البري المباشر. فإذا تورط في الدخول البري سيخسر المعركة، حتى لو شكل تحالفا واسعا من الأوربيين وبعض الدول العربية، بل حتى لو أسقط النظام. فهو في هذه الحالة يكرر تجاربه الفاشلة في الصومال والعراق وأفغانستان. ويكون هذا الفخ في صالح الصين وروسيا، ولا يستبعد أن “يأمل” هاذان البلدان أن جر غريمهما إلى هذا المستنقع.
د. عبد الرزاق مقري
نلاحظ من خلال دراسة مساهمات رواد الفكر الإسلامي أن ثمة أربعة اتجاهات في تناول موضوع الحضارة، وهي كالتالي:
– الاتجاه الإسلامي المادي:
وهو الاتجاه الذي يجعل الحضارة إفرازات مادية يستفيد منها الإنسان في مختلف مجالات العمران وتسخير الطبيعة والأدوات الخادمة للإنسان في حياته، والتي تتأتى بالتحكم في ناصية العلم وبالعمل الإنساني الدؤوب المتراكم لتحقيق مصالحه ورفاهه. ولا يعتبر الدين شرطا أساسيا لبناء الحضارة، لكنه يكون داعما للاستقرار والازدهار. ويمثل هذا الاتجاه عبد الرحمن بن خلدون الذي يعرّف الحضارة بأنها: “تفنّن في الترف وإحكام الصنائع المستعملة في وجوهه ومذاهبه من المطابخ والملابس والمباني والفرش والأبنية وسائر عوائد المنزل وأحواله“.
ويسير في الاتجاه نفسه المفكر علي عزّت بيغوفيتش الذي يعد الحضارة: “استمرارا للحياة الحيوانية ذات البعد الواحد، للتبادل المادي بين الإنسان والطبيعة، وهذا الجانب من الحياة يختلف عن الحيوان فقط في الدرجة والمستوى والتنظيم”.
ويُفهم مما كتبه أصحاب هذا الاتجاه أن الحضارة سيرورة إنسانية تاريخية حيادية لا يبعثها بالضرورة الدين، لكنها تنشأ من احتياجات الإنسان. غير أنهم يؤكدون أن ما يحدد صبغتها، وخيرها أو شرها، وطول عمرها أو قصره، هو القيم والالتزام الديني. فيرى ابن خلدون مثلا أن دولا عظيمة قامت دون استناد إلى الدين، ويضرب أمثلة من الدول المجوسية، لكنه يؤكد أن الدولة يعظم شأنها حين يجتمع أصحابها على الدين الحق، فيقول:
“إن القلوب إذا انصرفت إلى الحق ورفضت الدنيا والباطل، وأقبلت على الله، اتحدت وجهتها، فذهب التنافس وقلّ الخلاف، وحسن التعاون والتعاضد، واتسع نطاق الكلمة لذلك، فعظمت الدولة”(1).
ومن جهته يرى علي عزّت بيغوفيتش أن أزمة الحضارة الغربية سببها عدم قدرتها على الجمع بين المكوّن المادي الذي هو جوهر الحضارة، والمكون الروحي الإنساني الذي هو جوهر الثقافة، ويؤكد أن الإسلام وحده هو الذي جمع بينهما وأنشأ حضارة بلغت ذروة الإنتاج العلمي وقمة البعد الروحي. ويمكن أن ننسب هذا الاتجاه كذلك إلى حسين مؤنس الذي يعد الحضارة كل جهد بشري لتحسين ظروف الحياة من خلال الاكتشافات والابتكارات التي لا تكتمل إلا بالتجارب المتكررة عبر الأجيال، دون اعتبار الدين شرطا ضروريا لذلك.
– الاتجاه الإسلامي العقائدي:
وهو الاتجاه الذي يحصر الحضارة في الإسلام دون غيره، فلا يميز بين الإسلام والحضارة، ويكون المسلم حسب هذا الاتجاه متحضرا بالضرورة. ويمثل هذا الاتجاه سيد قطب الذي يرى، حسب راشد الغنوشي، أن “سبب تخلف المسلمين هو تركهم للإسلام، وينبغي دعوتهم إليه من جديد، وتعليمهم معنى لا إله إلا الله باعتبارها منهج حياة. أما غيرهم فلم يتقدموا، بل هم في جاهلية جهلاء، لأن الإسلام هو الحضارة“(2). وتشكل هذا التوجه لدى سيد قطب في المرحلة الثانية من حياته الفكرية، بعد عودته من أمريكا ثم اضطهاده وسجنه في عهد جمال عبد الناصر، وبتأثر من كتابات أبي الأعلى المودودي حول الحاكمية. وقد نسج على آرائهما كثير من كتّاب الصحوة الإسلامية، وصار توجّههم غالبا لمدة طويلة. ويركز أصحاب هذا الاتجاه على إبراز المآسي التي تتسبب فيها الحضارة الغربية بسبب انفصالها عن الدين.
– الاتجاه الإسلامي العقلاني:
وهو الاتجاه الذي لا يحصر الحضارة في الإسلام وحده، ولا يحصرها في المسلمين، بل يعتبرها حاجة إنسانية مشتركة لتحقيق احتياجات الإنسان على أحسن وجه. ويرى أنها لا تخص شعبا واحدا ولا تتمركز في إقليم معين، بل تنتقل من زمن إلى زمن ومن مكان إلى مكان وفق سنة التداول، ووفق استعداد البشر وتحقيقهم للشروط الحضارية، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، امتثالا لقوله تعالى: “وتلك الأيام نداولها بين الناس”.
ورائد هذا الاتجاه هو مالك بن نبي الذي يقول: “الحضارة تسير كما تسير الشمس، فكأنها تدور حول الأرض مشرقة في أفق هذا الشعب، ثم متحولة إلى أفق شعب آخر”. وهو يتوافق هنا مع الاتجاه الأول، لكنه يتميز عنه باشتراط الدافع الديني لتشكل الحضارة. ويضرب لذلك أمثلة على نشوء الحضارات الكبرى، ومنها الحضارة الغربية التي انطلقت من القاعدة الدينية الكاثوليكية ثم البروتستانتية. ولكنه يؤكد في الوقت نفسه أن الإسلام هو وحده الذي يصنع الحضارة الإنسانية العادلة القادرة على التجدد، وأنها لا تموت رغم أفولها إذا انبعثت أنوار الإيمان من جديد بفهم صحيح للإسلام.
ويمكن أن ننسب هذا الاتجاه كذلك لكثير من المفكرين مثل عبد المجيد النجار، محمد عمارة، عبد الوهاب المسيري، علي شريعاتي، طه جابر العلواني، وغيرهم. ويمكن ذكر محمد عابد الجابري الذي حاول أن يجد لنفسه مكانا بين النهج الحداثي القطيعي والنهج الإسلامي المعاصر.
– الاتجاه الحداثي:
وهو الاتجاه الذي يدعو إلى الاندماج الكامل في الحضارة الغربية باعتبارها حضارة إنسانية استفادت أصلا من الحضارة الإسلامية، ويرى أن المسلمين لا يمكنهم اللحاق بالحضارة إلا بمراجعة تراثهم كله ضمن معايير الحداثة. ومن هؤلاء محمد أركون الذي يرى أن الخروج من التخلف يكون عبر نقد العقل المسلم، وتبنّي العلمانية المنفتحة، واستخدام الأدوات الغربية الحديثة في التاريخ والأنثروبولوجيا والعلوم الاجتماعية للتحليل. وكذلك عبد الله العروي الذي ينفي إمكانية أي نهضة في العالم الإسلامي دون القطيعة التامة مع التراث العربي الإسلامي، بما في ذلك السنة النبوية، والالتحاق بالحداثة الغربية العلمانية كقيمة إنسانية.
– تقييم الاتجاهات الأربعة:
إننا إذا أردنا أن نحلل تحليلا موضوعيا ما ذهبت إليه هذه الاتجاهات الأربعة الكبرى فإننا سنخلص إلى أن الاتجاه الأول والثاني والثالث تنتمي كلها للفكر الإسلامي، وتعمل لصالح الاستنهاض الحضاري للأمة الإسلامية، وهي الاتجاهات التي انطلقت من مرجعية الكتاب والسنة، وتطورت داخل الإسلام، ونظرت إلى التراث نظرة عقلانية فرّقت بين الثابت والمتغير، وبين الباقي والمنتهي، وقيّمت النصوص والتاريخ على أسس علمية شرعية وإنسانية.
أما الاتجاه الرابع، فقد نظر إلى التراث الإسلامي ككمّ تاريخي لا قيمة له في الانبعاث الحضاري، وأصحاب هذا الاتجاه هم الحداثيون الذين تريد مراكز الدراسات الغربية ـ ومنها مركز راند ـ الاعتماد عليهم في اختراق المنظومة الفكرية الإسلامية من الداخل، كبديل للتيارات العلمانية الواضحة التي فشلت في تثبيت نفسها كمرجعية متّبعة. وهؤلاء الحداثيون يختلفون عن المستشرقين في أنهم ينتمون للعالم الإسلامي ويعلنون تمسكهم بالإسلام، لكنهم يستخدمون مناهج المستشرقين في التشكيك في النصوص وتشويهها، رغم أن بعضهم يوجّه النقد لعدد من المستشرقين الكبار. وقد تم ابتكار اسم جديد في السبعينيات لهؤلاء الحداثيين، بديلا لاسم “المستشرقين” الذين اتُّهم أكثرهم بتقديم صور نمطية سلبية عن الحضارة والنصوص الإسلامية، وهو اسم “الإسلامولوجي” الذي يُصوَّر بأنه يعتمد على الدراسات العلمية ويستعمل أدوات العلوم الإنسانية والأنثروبولوجيا والتاريخ لفهم النصوص الشرعية والتراث. ولا يشترط في المشتغل بهذا الحقل أن يكون مسلما.
لكن المفارقة أن كثيرا من هؤلاء الحداثيين ـ رغم انتمائهم إلى الإسلام ـ صاروا أكثر تحيزا ضد النصوص الإسلامية من بعض المستشرقين أنفسهم، بعيدا عن المنهجية العلمية التي يدعونها. ولا يعني ذلك أنه لا يُستفاد منهم، ولكن من المؤكد أنهم لا يُعتدّ بهم في فهم تاريخ الحضارة الإسلامية وسبل نهوضها من جديد.
إن الاتجاهات الثلاثة: المادي والعقائدي والعقلاني ليست متناقضة كما يظن بعض المهتمين، بل هي متكاملة، ولا يوجد سبب للدخول في الجدال المنقص لقيمة أي منها، فثلاثتهم يعتبرون الدين سببا رئيسيا لتحقيق الاستقرار، وأنه بيئة التحضر وصناعة الحضارة، وهو الذي يضمن قوة الدولة وطول عمر الحضارة، غير أن كلا منهم ينظر إلى ذلك من زاوية مختلفة. كما أن هذه الاتجاهات جميعا يؤمنون بالأطوار العمرية للحضارة، وأن نهاية كل حضارة إنما سببها الترف والفساد وغلبة الغريزة.
لا شك أن نقد مفكري هذه الاتجاهات كلها وارد، فهم بشر لا يحيطون ببحار العلوم كلها، ولكن يجب الانتباه بأن أفكارهم صاغتها ظروف الأزمنة والبيئة التي عاشوا فيها وتطورت عبرها رؤاهم. ولئن كانت بعض أفكارهم دائمة البقاء، لأنها تعبر عن فهم صحيح للسنن التي لا تتغير ولا تتبدل، فإن بعضها الآخر كان مفيدا في سياقه التاريخي ويمكن تجاوزه والبناء عليه لابتكار أفكار ومناهج جديدة.
فلو تحدثنا عن ابن خلدون مثلا لوجدنا أن علمه كان محكوما بأنماط الحكم الراسخة في عصره ومنها الحكم العائلي والعصبيات العشائرية التي كانت حاضرة في عالم ذلك الزمن كله. لقد كان بإمكانه أن يعود إلى منابع الفكر السياسي الإسلامي الراشدي القائم على الشورى، ولكن لو تحدث عن نمط حكم آخر في ذلك الوقت غير العصبية العشائرية، ما وجد علمُه ربما مجالا لانتقاله إلى الأتراك ثم الألمان والأوربيين ثم العالم بأسره. فقد نظرت الأمم التي استفادت من علمه إلى ما يحفظ الحكم وما يهدده أكثر من نظرها إلى شكله أو نمطه، كما هو حال كتب “مرايا الأمراء“(3) في نصيحة الحكام عبر مختلف الحضارات. غير أن منطق “العصب الحاكمة” التي لا يستقر الحكم بغيرها بقي موجودا بأشكال أخرى غير العصبية العشائرية، كعصب العسكر، واللوبيات المالية، والقوى الإعلامية، ومجموعات المصالح وغيرها. ولذلك لم ينقص من قيمة مضمون العصبية التي ذكرها ابن خلدون شيء كبير وإنما تغيرت أشكالها فقط.
وتجدر الإشارة كذلك إلى أن انتقاد بعض المفكرين لفكرة حتمية زوال الحضارات عند ابن خلدون لا ينقص من قيمة مقاربته المتعلقة بالأطوار الخمسة (الظهور، القوة، الرفاه، الضعف، السقوط)، والأجيال الثلاثة (البناؤون، المقلدون، الهدامون). فقد تكون تلك الانتقادات معتبرة في تفاصيلها ولكن التداول بين الأمم والدول والحضارات سنة جارية، يؤكدها القرآن الكريم وفق قوله تعالى: (( وتلك الأيام نداولها بين الناس))، وتثبتها الدراسات التاريخية. واليوم قد اندثرت كل الحضارات، ولم تبق سوى حضارة واحدة مهيمنة هي الحضارة الغربية، وهي نفسها تتلبس بمظاهر عدة تشير إلى أنها تتوجه نحو الأفول رغم عظمة إنجازاتها وقوة دولها، كما تؤكده دراسات غربية كثيرة من مراكز بحث معتبرة نبهت إلى احتمال أفول الحضارة الغربية.
إن ابن خلدون يركّز، في حقيقة الأمر، على تداول الدول أكثر من تداول الحضارات، إذ إن التداول بين الدول داخل الحضارة الواحدة يطيل أمد تلك الحضارة. وهذا ما نراه بوضوح في التداول الذي حدث بين الإمبراطوريات الأوروبية، ولا سيما بريطانيا وفرنسا، ثم الإمبراطورية الأمريكية القائمة اليوم داخل الحضارة الغربية نفسها. ومثله ما وقع سابقا في التداول بين الدولة الأموية والعباسية والعثمانية، وما جاورها من الدول الكبرى الأخرى ضمن الحضارة الإسلامية الواحدة.
ومما يجب الانتباه إليه أن ثمة حضارات لها القدرة على الانبعاث بعد زوالها، وحضارات أخرى تندثر نهائيا. وعلى رأس الصنف الأول الحضارة الإسلامية التي تبقى فكرتها خالدة في النفوس والمجتمعات بخلود القرآن الكريم، كما قال تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾. فحتى إن سقطت الدول القائمة على الإسلام، فإن الفكرة الدينية القرآنية تبقى كامنة في وجدان الأمة. وكلما تجددت الفكرة المرتبطة بالوحي، وبلغ تسجيلها في النفوس مبلغها الحضاري مجددا، انبعثت الحضارة الإسلامية من جديد.
ثم تأتي بعد الحضارة الإسلامية الحضارة الغربية، أو الحضارة الرومية، وهي امتداد للحضارة الإغريقية ثم الرومانية. وهي الحضارة التي بدأت المواجهة بينها وبين الإسلام مبكرا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ لم يرسل عليه الصلاة والسلام جيشا لمواجهة أمة غير العرب سوى الروم، كما في مؤتة وتبوك وبعث أسامة. وستكون المواجهة الأخيرة قبل قيام الساعة مع الروم أيضا، وفق الأحاديث الصحيحة التي تحدّثت عن الملحمة الكبرى (4). وبين هاتين الفترتين الزمنيتين تبقى المواجهات والتداول على الظهور في التاريخ بين هاتين الأمتين، وإلى جانبهما أمم أخرى أقل حضورا في الاشتباك والتداول الحضاري، كالصين والهند وما حولهما، وربما من بينها أممٌ أشارت إليها أحاديث الملحمة الكبرى دون التصريح بأسمائها.
ومما يُنقَد به ابن خلدون في كتابه التاريخ والمقدمة تعميمه للأخبار وعدم دقته أحيانا في النقل، وغياب المستوى المؤسسي في توصيفه للدولة. غير أن هذا النقد متكلّف، لأن العالِم إنما يتحدث بمستوى العلم الذي يكون عليه مجتمعه، والعبقرية إنما تظهر حين تكون إضافات صاحبها سابقة لزمانه وأكثر تميّزا من أقرانه. وقد بلغ ابن خلدون في هذا الباب مستويات عالية من توصيف التنظيم المؤسسي قياسا بما كانت عليه الدول في زمانه، بل عدّه العلماء الأوروبيون الذين ترجموا كتبه في القرن الثامن عشر سابقا لزمانه بقرون. ولا يزال الساسة والباحثون يستفيدون من أفكاره وتوجهاته إلى اليوم.
وربما يكون ابن خلدون قد عمّم في مقاربته بين البدو والحضر، وقد لا تصلح هذه المقاربة لكل الأمم وكل الأزمنة، ولكنها بكل تأكيد لا تتعلق بسكان العرب والبربر فقط كما يزعم بعض منتقديه. فالحضارة الغربية نفسها انطلقت من دخول القبائل الجرمانية البدوية في المسيحية، كما يبين مالك بن نبي. ومع ذلك، لا يمكن اعتماد البداوة شرطا للفتوة والشهامة والقوة والنبل المؤهِّلة لأخذ الملك المفضي إلى الحضارة. فقد يوجد بين أهل الحضر من برئوا من ترف المدن وغلبة الغرائز، وبقوا على الفطرة السليمة، وتوفرت لهم طاقة جبارة للتغيير ودوافع معنوية عميقة، بتأثير من الدين أو الغيرة الوطنية أو طموحٍ قوي عاقلٍ ومتوازنٍ يسعى لبلوغ المعالي. والعبرة عند ابن خلدون ليست بالبداوة بذاتها، وإنما بالخلال التي تكون شائعة بين أهلها أكثر من غيرهم بسبب بُعدهم عن فتن المدن ومغرياتها.
إن المشكلة الحقيقية التي لا يزال ابن خلدون يعاني منها هي تخلّف أبناء دينه وجِلدته عن الاهتمام بكنوز علمه. فترى علماء من الغرب والشرق لا يزالون يُشيدون بكتاب “فن الحرب” لسون تزو الذي كُتب قبل آلاف السنين، ويترجمونه إلى مختلف اللغات، ويعودون دوما إلى كتب ماكيافيللي وجون لوك وهوبس وغيرهم. بينما نسمع في المقابل عددا من المفكرين المسلمين يقولون إن المقدمة كُتبت لزمانها ولا فائدة كبيرة منها، مثل طه ياسين والعلوي وأركون.
أمّا عن سيد قطب، فقد تعرّض لنقدٍ كبير تجاوز في أحيان كثيرة الحدود المعقولة. ولو كان النقد من أقرانه من العلماء والمفكرين لكان ذلك طبيعيًا ومحمودًا، إذ التدافع الفكري هو ما يصنع الحضارة. غير أنّ الاستهداف الذي وقع عليه جاء من حكوماتٍ ظالمة مستبدّة حاربته كما حاربت غيره من الدعاة والمصلحين والمفكرين، سواء انتهجوا نهج اللين أو الشدّة، وسواء اتّسم خطابهم بالحدة أو بالمرونة. ثمّ لحقت بهذه الحكومات بعض التيارات الدينية والعلمانية، كثير منها وظيفيّ في خدمة الاستبداد أو الصهيونية أو القوى الاستعمارية.
أمّا العلماء والمفكرون الذين وجّهوا النقد لسيد قطب، أمثال الشيخ محمد الغزالي والشيخ القرضاوي ومحمد عمارة ومحمد سليم العوّا ومالك بن نبي، فقد كانوا يعدّونه من كبار الدعاة والمصلحين والمفكرين والأدباء في الأمة الإسلامية، ممن كان لهم أثر كبير في نشر الصحوة الإسلامية وزرع روح العزة والإباء في نفوس الشباب، وحمايتهم من الهجمات الفكرية المركّزة للتيارات الهدّامة، وتثبيتهم في مواجهة قهر الاستبداد. وقد سلّم سيد قطب روحه عزيزة في مشهدٍ استشهادي خالد في التاريخ.
ويرى هؤلاء العلماء، مع إقرارهم بفضله الكبير، أنّه توسّع في مفهوم الجاهلية بما يؤدي إلى قطيعة مع المجتمع ليست مطلوبة شرعًا، وأطلق أحكامًا كلية على العصر تُنافي ضرورات التفصيل التي يحتاجها المفكر والفقيه المسلم في زمن شديد التعقيد وكثير المدخلات، وأنّه بالغ في مفهوم الحاكمية بما يجعل بعض المتأثرين به ـ ممّن لا ينتبهون إلى خلفيته الأدبية في التعبير ـ يتشدّدون في أفكارهم السياسية، فيضيّقون مساحات العمل وإبرام التحالفات لخدمة الإسلام ونهضته الحضارية، وفق ما هو مثبت في السيرة النبوية.
كما أن نقد هؤلاء العلماء لبعض أساليب سيد قطب في تفسيره “في ظلال القرآن” من حيث عدم الضبط الفقهي لبعض التعميمات الاجتماعية والسياسية—لم يمنعهم من اعتباره من أجلّ التفاسير، ومن كونه تحفة أدبية عالية القيمة بأبعاده الروحية العميقة، وأسلوبه البديع، وأفكاره المنيرة، وما يحْدِثه في النفوس من أثر بالغ نحو الالتزام والعزة الإيمانية. وهذا هو النقاء الذي يُرجع الإنسان إلى الفطرة والصفاء البدوي الذي يشترطه ابن خلدون في العصبية التي تتغلب في طلبها الملك، وهو كذلك ما يشبه حالة “تسجيل الفكرة في الأنفس” التي يؤكّد عليها مالك بن نبي في حديثه عن دور الفكرة الدينية في انبعاث الحضارة.
ولا يمكن، في كل الأحوال، الحكم على سيد قطب من خلال تصرفات جماعات عنيفة نسبت نفسها إليه أو استندت إلى بعض كتاباته، إذ ليس لازم المذهب مذهبًا إذا نفاه صاحبه، ولا يُعتدّ بقولٍ أُلصق بالرجل إن نفاه هو، أو نفاه عنه من عرفه وصاحبه. وقد تشدّ بعض عباراته قارئ الظلال ومعالم في الطريق، لكن من يقرأ مجمل أعماله بإنصاف ودون تحيّز لا يمكن أن يصل إلى ما ادّعاه المغرضون المحاربون للعلماء العاملين الذين لا يخضعون لغير الله.
إن ظروف السجن والمواجهة الوجودية بينه وبين الاستبداد، والصدمات الكبرى التي كانت تتعرض لها الأمة من الاستعمار والاستبداد، والانهيارات الفكرية في مواجهة الشيوعية والرأسمالية، تجعلنا ننظر إلى ألفاظه القوية وأساليبه المزلزلة كصرخة إصلاحية تهدف إلى إحياء الإيمان وإيقاظ الوعي، ودفع الضرر عن الأمة، وبناء مشروعها الحضاري المستقل، الذي لا تكون الدولة الحديثة مقياسه ولا نموذجه الحاكم. ومن دلائل سبقه في بناء النموذج المستقل أن ثمة تيارًا واسعًا يتشكّل اليوم—من مفكرين مسلمين وغير مسلمين، ومن خارج التيار الإسلامي—يدعو إلى القطيعة مع الدولة الحديثة بمفاهيمها السياسية المهيمنة على الإنسان، ومفاهيمها الاقتصادية المدمّرة له، ومفاهيمها الثقافية المفسدة لجوهره.
أما عن مالك بن نبي فلم يسلم هو الآخر من النقد، فرغم الإشادة الكبيرة بأفكاره من قبل كبار المفكرين، رأى بعض الدارسين أن تحليله لمعادلة الحضارة يقوم على قدر من التجريد، وأنه يتعامل مع التاريخ من عل، وأن نماذجه التحليلية لا تقدم شرحا كافيا للآليات العملية. كما اعتبروا أن أطروحاته تميل إلى المثالية والتركيز على الأبعاد الأخلاقية والنفسية، وأنه يقلل من شأن السياسة والبعد السياسي في التغيير، مع أن الفعل السياسي كان دائما حاسما في التاريخ و مسار النهضة الحضارية. وأشار آخرون إلى أنه يستغرق في الهندسة الحضارية على حساب التنظير للفعل الميداني، وأن رؤيته لمركب الحضارة شديدة الاختزال وأنها تحتاج إلى تطوير معرفي، فيما يلومه بعض العاملين في الحركة الإصلاحية بأنه – رغم حديثه عن الفكرة الدينية – لم يجتهد بما يكفي في تقديم تصور شامل للبديل الإسلامي. واتهمه بعض الخصوم السياسيين بأنه نظّر لمناهضة الاستعمار كشرط من شروط النهضة الاستعمارية ولكنه لم يمارس الفعل الثوري عمليا.
إن نقد المفكرين المنصفين الذين يقدرون مالك بن نبي ويضعونه في موقعه المشرف في تاريخ الفكر يزيد في مكانته، لكن حينما يشتغل بأفكاره بعض “الحداثيين” الذين اعتبروا أن مقاربته للفكرة الدينية غير قابلة للتحقيق التاريخي المعاصر، أو أنها ذات بعد ميتافيزيقي لا شأن له بالبعد التاريخي، فإن مقصدهم غالبا هو هدم المقاربة الحضارية الإسلامية جملة وتفصيلا، وذلك غير مستغرب منهم، فقد أصاب مالكَ بن نبي منهم ما أصاب كلَّ مصلح يروم نهضة الأمة في إطار انتمائها، وتحريرها من الارتهان للاستعمار ، وتخليصها من التغريب والالتحاق بثقافة المستعمر وخدمة أغراضه. وفي المقابل لم يسلم من فئات العجز والقعود والسلبية والانغلاق في الأمة، إذ لم يكن فكره مريحا للتيارات التي اعتادت إلقاء اللوم على الآخر وتحميل الاستعمار وحده السيطرة على الأرض والأنفس. ولم تكن توجهاته الحضارية المنفتحة على العلوم الإنسانية واستعمال الأدوات العصرية لترضي الاتجاهات التقليدية المنغلقة.
لقد كانت تعميمات مالك بن نبي هي سبب انتشار أفكاره، فقد كان يبني منهجا ولم يكن بصدد وضع خطة للعاملين لصناعة النهضة الحضارية، ولو فصّل في مقارباته لمَنع الاختلافُ حولها الأمةَ من تلقّيها. وما كان ناقصا في رؤاه على تلاميذه ومن استفادوا منه أن يكملوا المشروع، وهذا هو شأن الحياة الفكرية والعلمية، جيل يبني على جيل، فالذي أكمل بناء المذهب الحنفي هو أبو يوسف وأصحابه، والذي أكمل بناء المذهب المالكي هو أبو القاسم وأصحابه. وقد كان موقفه السلبي من السياسة والسياسيين نابعا من أسباب واقعية، لِما رآه في العمل السياسي تحت الإدارة الاستعمارية من انتهازية وسعي للمصالح الشخصية ونكوص على المبادئ ورداءة في الخطاب وتهريج في الحملات الانتخابية، مزقت الحركة الوطنية قبل الثورة التحريرية. وكان صارما في الشأن السياسي حتى مع أقرب الناس إليه، وهو الشيخ عبد الحميد بن باديس، الذي كان يعّده روح الحركة الإصلاحية في الجزائر، إذ عاتبه لمجرد التقائه مع النخبة الإندماجية من أجل المطالبة بالحقوق.
لا شك أن موقف مالك بن نبي من السياسة والسياسيين أثر على عدد من تلاميذته والمقتنعين بفكره فصار بعضهم سلبيين ومعطلّين، أو متحفظين في علاقتهم بالعمل السياسي. و هنا نجد تراث ابن نبي في ذات الحالة التي أنشأها تراث سيد قطب تقريبا، “ليس لازم المذهب مذهبا”، فهو أدان انتهازية السياسيين وحذر أشد التحذير من خطورتهم، ولكنه لم يدن السياسة، فلو كانت السياسة على المعايير التي ذكرها وعلى المستوى الذي صاغه في قوله: ” أن تخوضَ في السياسة معناه أن تسعى إلى تغيير الإطار الثقافي في اتجاه يُساعد على التنمية المنسجمة لعبقرية أمة وشعب. فالخوض في السياسة معناه، في نهاية التحليل، أن تخوض في الثقافة“(5) فهي سياسة مطلوبة وممدوحة والسياسيون شرفاء نهضويون.
لم يكن مالك بن نبي يبحث عن انتصار حزبي أو غلبة أيديولوجية، بل كان يسعى إلى بناء الإنسان نفسه، إنسان يعرف لماذا وجد، وإلى أين يتجه، وكيف يتحول من كائن منهزم يراكم منتجات حضارة غيره إلى إنسان فاعل ينتج حضارته. ومن يتأمل مجمل أفكاره يدرك أن الرجل، سبق عصره، وأن كثيرا من الرؤى التي طرحها حول أثر الثقافة في الفاعلية، ودور الفكرة في بناء الحضارة، وعلاقة الأخلاق بالنهوض الاجتماعي، قد أصبحت أساسا لمدارس فكرية معاصرة تبحث في جوهر الحضارة لا في مظاهرها، وفي أسسها لا في قشورها. فهو، وإن لم يكن زعيما لجماعة أو تنظيم، فإن أفكاره تلهم العديد من المنظمات والمؤسسات التي تسعى للنهضة الحضارية للأمة.
لم يكن لمالك بن نبي دولة أو جماعة أو تنظيم يسانده في كفاحه الفكري، فقد خاض معاركه وحده، دون دعم من أي جهة، ويمكن اعتباره نموذجا كاملا للعصامية، لا سيما أنه اشتهر في الفكر والفلسفة والدراسات الاجتماعية وليس في اختصاصه التقني الأصلي. وقد كان نضاله الفكري – منفردا – أشد على الاستعمار من النضال السياسي، وكانت كلماته أوقع على المحتل من ضربات البارود، حتى أن المستشرق الكاثوليكي ماسينيون اعتبره خطرا داهما على فرنسا، فقاد حملة شرسة ضده، ولاحقه في لقمة عيشه في باريس. وقد قدّر قادة الثورة الأثر البليغ لعمله الفكري ضمن النضال الوطني فلم يسمحوا له بمرافقتهم إلى الجبال لكتابة تاريخ الثورة، حرصا على سلامته(6).
لم يتعرض مالك بن نبي للهجومات المنهجية المنسقة التي تعرض لها غيره من كبار المصلحين الذين اشتبكوا ميدانيا مع الاستبداد، بسبب عدم انخراطه في المنافسة السياسية، ولكن تم تهميشه وعزل أفكاره من مناهج التعليم والسياسات الحكومية في بلاده والبلاد الإسلامية التي اعتقد أنه سيجد فيها مجالا لتجسيد طموحاته في الاستنهاض الحضاري للأمة(7). ولكن، في الأخير، عادت رؤاه إلى الساحة اليوم بقوة، يهتدي بها العاملون للاستنهاض الحضاري، في ظل ظروف عالمية جديدة تختلف عن زمن الصحوة الإسلامية، وكأن مالك بن نبي يكتشف لأول مرة.
حين التأمل في هذه الاتجاهات الأربعة سنجد أن الاتجاهات الثلاثة الأولى أصيلة تنبع من داخل المجتمعات الإسلامية ويمكن ربط الصلة بعضها ببعض، وتحقيق التكامل بينها إذا أُمعِن النظر في الظروف والبيئات التي نشأت وتطورت فيها، مع التفضيل بينها، ليقع الاختيار على التوجه الذي يفتح آفاقا أرحب لرؤى جديدة عملية لفهم الحضارة وتحقيق الاستنهاض الحضاري للأمة الإسلامية، أما الاتجاه الرابع فهو من خارج الأمة الإسلامية ومتعاليا عليها وخادما للحضارة الغربية، وهو اتجاه يعتبر الحضارة الإسلامية حالة تاريخية ويغلق الباب أمام أي نهضة تكون إسلامية حقا.
حين نتحدث عن رؤية ابن خلدون للحضارة (الاتجاه الأول)، وننظر في المقدمة نظرا وافيا، ندرك أن من ينتقده بدعوى عدم حديثه عن القيم والأثر الديني في صناعة الحضارة إنما يخطئ في فهم السياق. فابن خلدون لم يكن في حاجة إلى التأكيد على الأساس الديني لقيام الدول والحضارات، لأن البيئة التي كان يعيش فيها، وكل الدول التي درسها، كانت قائمة على الأساس الشرعي والديني منذ دولة المدينة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولم يكن ثمة من يعترض على هذا المنشأ الحضاري أو يناقشه، لأن أصل الحضارة الإسلامية راسخ ومُسَلّم به، بغضّ النظر عن مدى التزام الحكام بذلك الأصل.
إن ابن خلدون لم يكن بصدد بيان اشتراط الدين لقيام الدول الإسلامية، فقد كانت قائمة، أو تأسيس مفهوم “الحضارة الإسلامية” فقد كانت موجودة، وإنما تناول تاريخ “أخبار الأيام والدول، والسوابق من القرون الأول” من زاوية السنن الاجتماعية التي تنطبق على الدول كافة، سواء كانت داخل إطار الإسلام أو خارجه. ولذلك حين يتحدث عن دور الفساد والترف في انهيار الدول، فهو يتبع قاعدة سننية ذكرها الله تعالى في القرآن الكريم، كما في قوله سبحانه في سورة الإسراء:
﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾.
كما أن القرآن الكريم ذكر هلاك أممٍ كانت قوية وهي كافرة، مثل عاد وثمود، بسبب فسادها وظلمها. وهذا ما يجعل ابن خلدون يعتبر الترف والفساد عاملين كونيين في سقوط الدول، لا يرتبطان بهوية الأمة دينيا، بل بطبيعة الاجتماع البشري وطبائع الحكم حين تنحرف عن ميزان العدل وينخرها الفساد والترف.
وأما علي عزت بيغوفيتش، من رموز الاتجاه الأول، فكان يعيش في قلب الحضارة الغربية، وتعلّم في مدارسها، ورأى حجم التطور الكبير الذي حققته، والمنافع المادية المذهلة التي أنتجتها، وفي الوقت نفسه المظالمَ الكبرى التي صنعتها، والفسادَ الواسعَ والعميقَ الذي رسّخته. وقد أدرك كيف لم يكن للناس ملجأٌ يأوون إليه يحميهم من غلوائها بروح المحبة والتضامن سوى ثقافاتهم المحلية. ولذلك فرّق بين الحضارة والثقافة، وجعل لكل منهما مسارا مختلفا. وبالعودة إلى ثقافته الواسعة في الإسلام، واطلاعه على خصوصية الحضارة الإسلامية، أكّد أن الإسلام وحده القادر على الجمع بين الثقافة التي مصدرها الفطرة الداخلية للإنسان، والحضارة التي مصدرها الفعل الخارجي للبشر.
وحينما نوجّه النظر صوب الاتجاه الإسلامي العقائدي في تفسير الحضارة ندرك أن بروزه كان طبيعيا، وأن تراجعه في الفكر الإسلامي الحديث المتأخر كان طبيعيا كذلك. فقد كان فكر سيد قطب في مرحلته الأولى غير بعيد عن فكر مالك بن نبي، إذ لم تكن شحنة الاستقطاب الأيديولوجي والسياسي في الداخل المصري عنيفة، وكان فكره منشغلا بكليات الصراع مع سطوة القوى الإمبريالية الرأسمالية، وانحرافات الشيوعية، والأزمات الاجتماعية التي كان يعانيها العالم الإسلامي. ولذلك جاءت رؤيته منفتحة في كتبه الأولى مثل العدالة الاجتماعية ـ رغم ما فيه من أخطاء في حديثه عن الصحابة اعتذر عنها لاحقا ـ وكتابه صراع الإسلام مع الرأسمالية. وقد عُدّ في تلك المرحلة من منظري ثورة 1952.
لكن بعد خيبة الأمل في مسار تلك الثورة، التي كان الإخوان والضباط الأحرار في بدايتها في صف واحد، وبعد ما أصابه من ظلم شديد في تجربته الشخصية وسجنه وتعذيبه، تحوّل فكره إلى الصراع العقائدي والسياسي.
واللافت أن المودودي عاش تحولات سياسية مشابهة؛ إذ أصيب بخيبة أمل كبيرة في حكام دولة باكستان التي انفصلت عن الهند على أساس الدين، بعدما تخلّوا عن بناء الدولة على أساس الشريعة الإسلامية كما وعدوا الجماهير، وانشغلوا بالامتيازات الشخصية والصراع على المصالح في الحكومة والبرلمان. وبعد جهد فكري طويل أسّس المودودي الجماعة الإسلامية التي دعت إلى الرجوع إلى الإسلام في الشأن العام.
وبسبب توسع الصراع بين الحركات الإسلامية والأنظمة العربية، توسّع فكر المحنة المتترس بالمرجعية الدينية دون النظر إلى معطيات الصراع الأخرى محليا ودوليا. وقد كان هذا الفكر فكرَ مرحلة، وساهم كثيرا في ثبات رجال الدعوة والإصلاح وانتشار الصحوة الإسلامية. لكن حينما تحولت الفكرة الإسلامية إلى حالة اجتماعية عامة ووقع الانفتاح السياسي في أغلب الدول الإسلامية، تراجع الفكر الإسلامي المتشدد لصالح فكر أكثر انفتاحا وتشاركا مع مكونات الساحة السياسية والاجتماعية، وإعادة النظر في مفاهيم الحضارة وشروطها. غير أن الاهتمام المتأخر بفكر الانفتاح أخر التجديد فيه بما يتناسب مع احتياجات المجتمع الجديدة، والتحديات السياسية المحلية والدولية، وطبائع الصراع، وكيفية مواجهة الاستبداد والصلف الغربي والصهيوني، والتحالفات اللازمة، والخطاب المناسب فكان العبور معقدا وصعبا جعل التيارات الإسلامية في حالة مراوحة مزمنة.
أما الاتجاه الرابع فهو الاتجاه الذي أراد له الله أن ينشأ ويتطور بعيدا عن الصراع الديني والسياسي الحاد في العالم العربي والإسلامي، ويتمركز في الفضاءات الفلسفية والفكرية. وقد ساهم هذا في توازنه ومرونته وثباته عبر عقود من الزمن، ليطفو إلى السطح في الفترات الأخيرة كأنسب منهج لتحديات العبور الحضاري نحو دوائر القيادة والتأثير، وكأن العالم العربي والإسلامي يكتشف مالك بن نبي من جديد.
لقد بين مالك بن نبي بأن الحضارة منتج إنساني يتأتى بالجد والاجتهاد والعلم والتخطيط والعمل الجاد، وفق سنن غلابة لا تحابي أحدا، سواء كان مسلما أو غير مسلم. ويؤكد أن الحضارة الحق، التي تمتد في الزمن وتتمدد في المكان، هي التي يكون الدين فيها هو المعامل الجامع للمقدرات البشرية والزمنية والترابية في لحظة الانبعاث. غير أنها لا تدوم ولا تبلغ الألق إلا بسيادة العقل. فإذا انفصل العقل كلية عن هداية الوحي، تغلب الغريزة فتهوي بالحضارة.
يجمع ابن نبي بهذا الفكر بين مادية بن خلدون، التي لا تعتبر الدين سوى عاملا مساعدا على الاستقرار وزيادة القوة، وروحانية سيد قطب التي أسهمت، من خلال ربطه الحضارة بالإسلام، في ترسيخ الاعتزاز بالفكرة في مواجهة الاستبداد مما ساعد على ثبات حركة الإصلاح في فترة المحنة.
غير أن النهج الأقرب إلى مالك بن نبي هو النهج الخلدوني، فهو الوريث الأكثر مصداقية لعبد الرحمن بن خلدون، لارتباطه بالدراسات التي تتعلق بمقتضيات الحكم والشأن العام في المجالات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والعلاقات الدولية. كما يظهر القرب بينهما في محاولتهما التقرب من الحكام للتمكين لأفكارهما؛ بالنسبة لعبد الرحمن بن خلدون في الأندلس ودول المغرب العربي ومصر والشام وآسيا الوسطى، وبالنسبة لمالك بن نبي في الجزائر ومصر والسعودية والشام. ومن غرائب الأقدار أن كليهما تعرّض للتجاهل في بلده في المغرب العربي، وأخفق في تجارب الاقتراب السياسي، ثم اكتُشف في فضاءات أخرى بعيدة عن دياره بعد فترات طويلة من الزمن. فقد استفادت آسيا الوسطى وتركيا وأوروبا من أفكار ابن خلدون، بينما استفادت تركيا وماليزيا وإيران من أفكار مالك بن نبي.
وفي الفترة الأخيرة وجدت أفكار بن نبي طريقها لمعالجة كثيرا من السلبيات في صفوف الحركات الإصلاحية، بعد أن خرجت من نفسية الاستعلاء بالإيمان قبل الابتلاء بتحديات الحياة السياسية وتعقد الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والدولية، وحين جدت نفسها وجها لوجه أمام مقتضيات تربوية ونفسية وإدارية وتنظيمية وقيادية وعلائقية جديدة لم تتدرب عليها.
لم تنتبه الحركات الإسلامية، في عمومها، إلى أن مالك نبي درس هذه المقتضيات منذ عقود من الزمن في كتبه العديدة، منها “شروط النهضة”، “ميلاد مجتمع”، “المسلم في عالم الاقتصاد”، “مشكلة الثقافة”، “من أجل التغيير”، “الإسلام والديمقراطية”، “فكرة كومنولث إسلامي”، “الفكرة الآفروآسوية”، “إنتاج المستشرقين”، “مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي” وغيرها.
إنّه لا يمكن اعتبار الإنجازات العلمية والفكرية لابن خلدون ومالك بن نبي، أو لأيٍّ من المفكرين، أجوبةً جاهزة تصلح ترياقًا كاملاً لمشكلات المسلمين، غير أنّهما يقدّمان منهجين يهديان إلى المسارات العامة لمعرفة الوجهة الصحيحة، وتحديد الشروط الأساسية لتحقيق الاستنهاض الحضاري، والتنبه للمعيقات الجوهرية المانعة للنهضة.
ومن النواقص التي ينبغي استدراكها عند كلٍّ من ابن خلدون ومالك بن نبي غياب المشروع الاجتماعي العملي الذي يوعي المجتمع ويُجنّد طاقاته، إضافةً إلى غياب النهج السياسي الفاعل الذي يجسّد الفكرة في الدولة. ويمكن أن نجد عند بعض المفكرين المعتدلين ملاحظات وجيهة في نقد أفكار الرجلين، مثل المفكر محمد عابد الجابري ـ رغم ميولاته الحداثية ـ وخاصةً في حديثه عن أهمية الشأن السياسي ومعضلة الاستبداد.
كما يمكن القول إنّ الحركات الإسلامية ساعدها فكرها الاقتحامي على بلورة منظومات واقعية اجتماعية متطورة، لم تكن موجودة عند مالك بن نبي، الأمر الذي مكّنها من التحول إلى قوة تأثير كبيرة داخل المجتمع. غير أنّ عدم اهتمامها بتطوير الأفكار الحضارية والمعارف الضرورية لتسيير الشأن العام ـ وهي المجالات التي فتح بابها مالك بن نبي ـ وعدم قدرتها على وضع منهج سياسي لإدارة الصراع يحفظها من الصدام القاتل مع الاستبداد أو الاندماج المفرِط في منظومته، جعلها تراوح مكانها مدةً طويلة، وقد يُنسيها ذلك فكرة التغيير والإصلاح والاستنهاض الحضاري، سواء بسبب اليأس أو بسبب الانغماس في المتاح السياسي المسموم.
إن الواجب اليوم هو الاستفادة من أفكار ومساهمات العلماء والمفكرين المسلمين وأخذ ما يفيد في أفكار غير المسلمين في فهم قضايا الحضارة، وتقييمها تقييما موضوعا ضمن دائرة الإسلام وعلى ضوء القراءة الصحيحة للواقع بالأدوات العصرية اللازمة وبلورة المحصلات وتجديد المفاهيم بما ينتج المفاهيم المتجددة للحضارة من الناحية النظرية، والطرائق العملية لتحقيق الاستنهاض الحضاري.
وأمّا ـ أخيرًا ـ عن الاتجاه الحداثي في مفهوم الحضارة، فقد مثّل التيار الأكثر تشدّدًا في الساحة الفكرية تجاه الاتجاه الإسلامي الثاني بزعامة سيّد قطب ومن سار على نهجه. بل امتدّ نقد التيار الحداثي إلى أطروحات ابن خلدون، رائد الاتجاه الأوّل وأيقونة فلسفة التاريخ وعلم الاجتماع عند الغربيين أنفسهم، وذلك بسبب تمسّكه بالمرجعية الإسلامية للدولة والمجتمع.
ويصفه أركون ـ رغم إقراره بعبقريّته ـ بأنه لم يتحرر من اللغة اللاهوتية ومن التصورات القدريّة التي تفسّر التاريخ بسننٍ شبه غيبية. كما وجّه نقدًا شديدًا لأطروحات مالك بن نبي، معتبرًا مقاربته حول “الفكرة الدينية” استعادةً لخطاب لاهوتي مغلق، وأن أيّ ادعاء بأفضلية حضارية ذات أساس ديني هو طرحٌ لا تاريخي. ويرى أركون أنه ينبغي تحليل الإسلام بما هو تراث تاريخي لا بما هو مركز حضاري مُقدَّس.
إنّ أصحاب هذا الاتجاه قد انخرطوا كليًا في المنظومة الفكرية الغربية، وتبنّوا مناهج المستشرقين المشوِّهة للإسلام، واشتغلوا ضمن مشاريع مرتبطة بمراكز مسيحية وعلمانية معادية للمنظومة الإسلامية. وحجتهم بضرورة “مراجعة التراث” حجة ساقطة، لأن هذه المهمة قد تصدّى لها علماء كبار من داخل الإسلام ذاته، مثل الشيخ محمد الغزالي، والشيخ القرضاوي، ومحمد عمارة، وطه جابر العلواني، وغيرهم؛ ممن دعوا إلى تجديد المعارف الإسلامية بالأدوات الإسلامية، وبالاستعانة بالمناهج العصرية دون المساس بالنصوص قطعية الثبوت والدلالة، ولا بالمقاصد الشرعية الكبرى.
ورغم الدعم اللامحدود الذي يستفيد منه هذا التيار من المؤسسات الغربية وبعض الدول العربية ـ خصوصًا في دولة الإمارات ـ إلّا أنه لم يستطع أن يجد له مصداقية حقيقية داخل العالم الإسلامي
خلاصة عامة عن الفصل الأول:
بعد متابعة أهم الأفكار التي يشتمل عليها الفكر الإسلامي في موضوع الحضارة سنقوم بتطوير أول للتعريف الأول الذي وضعناه في مقدمة الفصل، وسنتابع تطوير النص مرة ثانية بعد نهاية الفصل الثاني المتعلق بالحضارة في الفكر الغربي، ثم نعرض المساهمة للنقاش والحوار، والنص الجديد هو كالآتي:
“يتحقق الاستنهاض الحضاري للأمة الإسلامية على النحو التالي: “يبدأ الأمر بفكرة تتشكل في عقل رجل مؤسس، قد يكون مفكرا أو مربيا أو قائدا أو صاحب رؤية نافذة يستشرف بها أحوال مجتمعه وما يمكن أن يصير إليه. وتكون فكرته نابعة من هدي القرآن الكريم وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم. يحمل المؤسس الفكرة في قلبه قبل لسانه، ثم يعرضها على من حوله من أصحاب الثقة والقرابة والاهتمام، فيقتنع بها نفر قليل، فيصبحون خاصته وأعوانه وعصبته. ومع مرور الوقت يتكوّن بينهم نوع من التجانس الفكري والروحي، إذ يجتمعون على مقصد واحد ويشاركون صاحب الفكرة همَّه ومشروعه، فتتشكل النواة الأولى التي تحمل بذرة التغيير.
ومع اتساع الدائرة يبدأ هؤلاء الأشخاص في نشر الفكرة في المجتمع، كلٌّ بحسب طاقته ومجال تأثيره. فيدعون إليها في المساجد والنوادي والبيوت والمنتديات، ويشرحون معانيها ويُظهرون حاجة الأمة إليها. ومع زيادة التفاعل تظهر الحاجة إلى أشكال تنظيمية تحفظ الجهد وتضبط المسار، فتتأسس الجمعيات والروابط والهيئات والمراكز المعرفية والثقافية، وتظهر معها أدوات للعمل العام تساعد على تعميق أثر الفكرة في المجتمع وترسيخ بنيتها الأولى. وتتحول الفكرة من مجرد رأي إلى “شبكة تأثير” تمتد في مختلف الاتجاهات عبر مؤسسات متعددة المستويات، تتوفر لها موارد مادية وبشرية وزمنية مناسبة.
ومع مرور الزمن تتغلغل الفكرة في الشرائح الاجتماعية المختلفة، فتصل إلى النخب العلمية والثقافية، ثم إلى شرائح الشباب والطلاب، ثم إلى العمال والحرفيين وأصحاب الحرف، حتى تصبح حديث الناس في بعض البيئات. وحين تترسخ الفكرة في الوعي العام تبدأ في إنتاج خطابها ولغتها وطرقها الخاصة في التأثير، وتتكون حولها ثقافة مصغرة تعكس رؤيتها للعالم. وفي هذه المرحلة يصبح للفكرة مناصرون، بل قد تظهر لها شريحة من الأتباع داخل مؤسسات الدولة نفسها، في مواقع متفرقة وإن كانت غير مؤثرة في البداية، لكنها مؤشر على أن الفكرة بدأت تنتقل من هامش المجتمع إلى مراكزه.
حين تبلغ الفكرة هذا المستوى تبدأ في تجاوز حدود الأشخاص الذين نشروها، والتنظيمات التي حملتها، لأن الأفكار الكبرى بطبيعتها تتجاوز حدود منشئيها، فتصبح هي التي تقودهم لا هم الذين يقودونها. وفي هذه اللحظة التاريخية ينتقل المشروع من “مرحلة الدعوة” إلى “مرحلة التأطير الاجتماعي”، ثم إلى “مرحلة التأثير السياسي”. ويتهيأ رجال الفكرة للانتقال من المجتمع إلى الدولة، سواء عبر التحالفات أو عبر القوة الاجتماعية أو عبر لحظات التحول التاريخي الكبرى التي تفتح أبوابا للتغيير.
فإن كانت الفكرة صحيحة، منسجمة مع سنن الاجتماع البشري، وكان رجالها ذوي كفاءة وقوة وعلم وبصيرة، تستقر في مؤسسات الدولة وتبدأ مرحلة ترشيد البناء السياسي والإداري. ويطول أمد الفكرة في الحكم بقدر قوة رجالها ومتانة مؤسساتها وصفاء مقصدها. ولا خوف على الفكرة في الدولة عندئذ إذ تمركزها في المجتمع ينشئ حواضن اجتماعية واسعة ومستقرة مرتبطة بها، فيتحقق التداول على السلطة في إطارها، وضمن الرضا الشعبي وحرية الاختيار. ومع استقرار الفكرة في الدولة يبدأ التغيير العميق في بنية المجتمع، فتتحول الفكرة إلى مشروع نهضوي شامل يشمل الاقتصاد والتعليم والصناعة والإدارة والفنون والقيم والآداب والشوكة والقوة العسكرية والتأثير والمكانة الدولية.
وفي هذه المرحلة تتحول الدولة من مجرد سلطة إلى “آلة حضارية” تنتج المعنى والمهارة والقوة. فتنهض الصناعات، وتنتظم السياسات، ويستقر القانون، وتنشأ أساليب جديدة في التفكير والعمل، وتظهر منظومات قيم تسند حركة الإنتاج، ويبدأ المجتمع في إعادة تعريف ذاته وهويته ودوره في التاريخ. ومع الزمن تتراكم منتجات النهضة، وتبلغ مستوى عاليا من الجودة والوفرة والدقة والرقي، فيبدأ العالم في الالتفات إليها.
وتطلب الأمم الأخرى هذه المنتجات، ثم تحرص على اقتنائها، ثم تتجاوز ذلك إلى محاكاة طرق إنتاجها وفلسفتها. وقد يمتد التأثير إلى اللغة والأزياء والفنون والعلوم والمؤسسات التعليمية. ومع هذا الامتداد تتجاوز الفكرة حدودها الإقليمية وتتحول إلى “نموذج حضاري” قادر على الإلهام والتوجيه. وهكذا تنتقل النهضة من حدود مجتمعٍ ما إلى رحابة الإنسانية، فتصل إلى مستوى الحضارة العالمية، وتصبح إحدى القوى الثقافية التي تعيد تشكيل رؤية الإنسان للعالم.
وفي هذه اللحظة تبلغ الفكرة ذروة مسارها التاريخي، فتتحول من فكرة في عقل رجل واحد إلى حضارة تؤثر في ملايين البشر، وتتجاوز حدود الجغرافيا واللغة والعرق. وتصبح جزءا من التراث الإنساني المشترك.”
د. عبد الرزاق مقري
________
(1) ابن خلدون، المقدمة، ص 142
(2) راشد الغنوشي، “بين سيد قطب ومالك بن نبي”، مقال في موقع الجزيرة، يوم 1\02\2010
(3) مرايا الأمراء هي نصائح وتوجيهات كتبها حكماء لأمراء وملوك زمانهم في كيفية المحافظة على حكمهم وتسيير شؤون رعيتهم، وعن الأخلاق الجديرة بالقيادة والسلوك اللائق بالسادة وحيل الغلبة في مواجهة ملوك وأمراء الدول الأخرى، وتسمى في التراث الإسلامي “آدام الملوك” أو “الأحكام السلطانية”، ومنها كتاب “سير الملوك” لنظام الملك مؤسس المدارس النظامية ووزير السلاجقة، وكتاب “الأدب الصغير والأدب الكبير” لابن المقفع، وكتاب “بداية السلك في طبائع الملك” لابن الأزرق وغيرها، ويوجد في الحضارات الأخرى ما يقابلها، وتسمى في القواميس الغربية (Specula principum)
(4) انظر صحيح مسلم الحديث رقم 2897
(5) مقال كتبه في مجلة “الثورة الفرنسية” التي كانت تصدر في الجزائر باللغة الفرنسية، بتاريخ 16 نوفمبر 1965، ص 40
(6) انظر شهادة رابح مشهود في الموضوع: https://www.youtube.com/watch?v=KQii4rzRuVg
(7) زار جمال عبد الناصر، واقترب من بن بلة، وتحدث مع بومدين، فلم يجد في هؤلاء جميعا ما يفسح له المجال للمساهمة الجادة والفاعلة، والتي توازي مكانته، لتحقيق النهضة التي كان ينشدها.
في هذه الحلقة من “المسافة صفر” نناقش سؤال : لماذا تخطئ المؤسسات في قراءة الواقع؟ وكيف تتحول اليقظة إلى قوة، بينما يتحول الفزع إلى شللٍ استراتيجي؟
نتناول في هذه الحلقة:
شاهد من الواقع
لماذا تخطئ المؤسسات في قراءة الواقع؟
مبادئ في قراءة الواقع
التأثير على الواقع
عقبات في قراءة الواقع
بين ثورة التحرير الجزائرية في نوفمبر، وملحمة أكتوبر في غزة… سبعون عامًا ونفس المعادلة التي تتحدى منطق القوة القاصر.
في هذه الحلقة من “المسافة صفر” نبحث عن قانون التغيير: كيف ينقلب ميزان القوى؟ ولماذا يفشل المحتل في حسم معاركه رغم تفوقه المادي؟
نتناول في هذه الحلقة :
شاهد من الواقع
خرافة الموازين الثابتة
أين تكمن القوة الحقيقية اليوم؟
دروس من التاريخ الحي
في هذه الحلقة من “المسافة صفر” نناقش سؤال الثبات : لماذا تصمد بعض القضايا رغم شدة الابتلاء… بينما تتلاشى أخرى في منتصف الطريق؟
نتناول في هذه الحلقة:
شاهد من الواقع
الثبات كشرط للتمكين
الصبر والتحمّل: من القيمة الفردية إلى السنّة الجماعية
المؤسسات بين الثبات والبراغماتية
دروس من التجربة التاريخية
من طوفان الأقصى إلى سنن الثبات
في هذه الحلقة من “المسافة صفر” نفتتح محور المؤسسات والمنظمات من مسافة صفر بأول وأهم ركيزة: الإعداد والتمكّن.
هل تأتي التحولات الكبرى فجأة؟ أم أنها ثمرة سنوات من العمل الصامت في عمق الأرض؟
نتناول في هذه الحلقة:
شاهد من الواقع
مفهوم الإعداد في الإسلام
وهم القفز على المراحل وبناء الإنسان
في هذه الحلقة من “المسافة صفر” نغوص في أساس البناء كلّه؛ عن وعي الإنسان الذي يقرر أن يرى الحقيقة كما هي… ثم يتحرك.
نتناول في هذه الحلقة:
شرح الوعي من القرآن والسنة
الطوفان كنموذج عملي
التطبيق على الفرد المعاصر
في هذه الحلقة من “المسافة صفر” نعود إلى الجذر الذي تُقاس به كرامة الإنسان والأمم وهو معنى الحرية.
نتناول في هذه الحلقة:
الحرية : الواجب قبل الحق
الهجرة إلى الحرية
التطبيق على الفرد المباشر
contact@abderrazakmakri.com