حين نتحدث عن المداخلة لا نقصد تيارا دينيا بعينه، يسمي نفسه التيار السلفي. أنا شخصيا أعرف هذا التيار ولم أر من المنتسبين إليه إلا الخير، سكنت في بيت بجوار مسجد من مساجدهم، فكانوا نعم الجيرة، في تدينهم وأخلاقهم، وخدمتهم القرآن الكريم، ولهم فضل على أولادي إذ حفظ بعضهم كتاب الله في كُتّابهم.
أما “المداخلة”، المعروفين في ساحة الجدل السياسي العقيم، فلا علاقة لهم بالدين ولا الأخلاق ولا العلم، ولا يظهر لهم ولاء لله ورسوله والمؤمنين، كما أنهم ظاهرة افتراضية لا وجود لها على الأرض، لا نلتقي بهم أبدا في المساجد ولا في أي مكان آخر، إنما هم شبكات مصنوعة في وسائل التواصل الاجتماعي، اغلبهم بحسابات مجهولة وأسماء مستعارة.
لا ينتمون لأي وطن، ومن كان منهم موجودا فعليا فإنما هو من عملاء الأجهزة الاستخباراتية الصهيونية والإماراتية وبعض المؤسسات الأمنية للأنظمة الاستبدادية، يبيعون آدميتهم وكرامتهم من أجل مصالح دنيوية، لا يحترمهم من يُشَغّلهم لعلمهم بهوانهم، ومجون بعضهم، ودناءة نفوسهم وشرههم وطمعهم في ما في أيدي أسيادهم، إذ حين يلتقون بأسيادهم لأخذ التعليمات لا يطلبون إلا الامتيازات الدنوية من سكنات وفرص تجارية وخدمات مالية ووساطات مصلحية.
يعود تشكل هذا التيار إلى فترة الحرب الخليجية، حين استغلت الأجهزة الأمنية الخليجية بعض رموزهم، وحين نجح تجنيدهم تحولوا من ظاهرة دينية إلى حالة أمنية، فاقترح وزير الداخلية السعودي نايف بن عبد العزيز رحمه الله على المؤسسات الأمنية في البلاد العربية الاستفادة من التجربة لمواجهة التيارات الإسلامية الوسطية والقوى السياسية المعتدلة ذات الحضور الاجتماعي الكبير، فتورطت بعض الدول في احتضان هذا التيار الخطير على الأوطان، وانتبهت دول أخرى لخطورتهم، وكان آخر البلدان التي اقتنعت بحقيقة أمرهم المملكة العربية السعودية ذاتها في زمن محمد بن سلمان، ولكن بعد “خراب البصرة”، والسعودية التي هي البلد الذي شكّلهم ونشرهم في مختلف دول العالم الإسلامي، تضاءل وجودهم فيه، وصاروا يسيرون ملتصقين بالحيطان أمام موجات التغيرات الحاصلة به، لا يجرؤون على إنكار المناكر العظيمة، يواصلون سلوكيات التزلف بالدفاع على النظام الذي أذلهم ذاته.
إن مهمة هذا التيار هو تدمير العالم الإسلامي وتمزيقه ونشر العداوة بين شعوبه وخدمة الصهيونية والتمهيد للتطبيع في البلدان، ومحاربة رجال لإصلاح والحركات الإصلاحية خدمة للاستبداد والفساد.
ومن أهم مواقفهم التي تظهر فسادهم وخطورتهم على الإسلام والمسلمين:
– توجهاتهم التكفيرية وتبديع طبقات واسعة من علماء الأمة وعموم المسلمين، حول مواضيع من التاريخ الغابر أو القضايا العلمية التي لا تهم إلا عددا قليلا جدا من الناس مثل الدراسات التخصصية المتعلقة بأصول الدين، والتي لم تصبح من الثقافة العامة للمسلمين، ولا تمثل أولوية في محاربة التخلف والفقر ونهضة الأمم والأوطان، ومن ذلك تكفير وتبديع الأشاعرة والماتوردية، الذين منهم كبار علماء الأمة في التفسير والحديث والفقه واللغة والسلوك ومختلف العلوم، وإخراجهم جملة واحدة من دائرة أهل السنة والجماعة خلافا لرأي جمهور العلماء. مع ما تحمل هذه الأفكار التكفيرية والتبديعي من مخاطر على الأمة وأوطانها، إذ أثبتت التجربة بأنها قد تتحول في لحظة من اللحظات إلى عنف وإرهاب.
– إدخال الخلاف في قضايا فقهية محسومة منذ قرون من الزمن مثل تغيير الانتماء المذهبي المالكي في المغرب العربي، والتفريق بين المسلمين في أداء الصلاة والشعائر، وقد بدأت هذه الفتنة في الثمانيات بالدعوة إلى اللامذهبية، فوجد العديد من الناس أنفسهم يتحولون من المذهب المالكي إلى المذهب الظاهري لابن حزم الأندلسي رحمه الله، ثم بسبب صِلاتهم بالمملكة العربية السعودية، حوّلوا المصلين إلى المذهب الحنبلي لأحمد بن حنبل رحمه الله، دون أي حاجة لذلك، وكأنهم حملوا على كاهلهم تغيير انتماء سكان البلد من مذهب منحرف هو المذهب المالكي، وحاشاه أن يكون كذلك فهو مذهب سيد علماء مدينة رسول الله صلى عليه وسلم. وفي كل يوم من أيام عيد الفطر يدخلون الناس في فتنة حول كيفية تقديم زكاة الفطر، وفي كل مناسبة للمولد النبوي يشغلون الناس بفتنة عمياء تنسي ما يجب أن يكون من تأمل في سيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام في الذكرى،وفي الحالتين (زكاة الفطر ومناسبة المولد) يخالفون قرارات الدولة وتوجهاتها، وهم أكبر من يزايد على الناس في شأن طاعة ولي الأمر في أمور أخرى تخدم الفساد الذي يحمونه.
– التناقض والنفاق والكيل بمكاييل مختلفة، في مسألة طاعة ولي الأمر، فلا يزايدون في ذلك إلا لصالح الأنظمة المستبدة التي تستخدمهم، ولكنهم في نفس الوقت يشعلون الفتن ويخرجون على الحكام المنتخبين بالإرادة الشعبية كما كان موقفهم ضد الرئيس مرسي في مصر، وضد حكومة النهضة في تونس، وذهبوا بعيدا في التآمر مع دولة الإمارات ضد الحكومة في تركيا، وفي ليبيا، وأما في السودان فتورطوا في جرائم مروعة، وهم اليوم يتآمرون ضد إيران لصالح القوى الصهيونية والأمريكية.
– ليس من سبب في التآمر على تركيا وإيران، والآن باكستان، سوى ضرب دول مهمة وقوية وذات سيادة في الأمة خدمة لمخططات معادية للإسلام والمسلمين، فما يوحد من سلبيات في تركيا، تتعلق بالعلمانية ومظاهر الفساد والتطبيع وعلاقات مع الولايات الأمريكية المتحدة، يوجد مثله وأضعافه في دول أخرى يتهجمون على من يعارضها، وما وقع من جرائم من الإيرانيين في سوريا وقع أكثر وأخطر منه في السودان على يد أهم دولة ترعاهم حاليا وهي دولة الإمارات.
– أداء دور التخذيل في الأمة لصالح أعدائها وضرب معنويات المسلمين والدعوة إلى ترك شعيرة الجهاد ضد الاحتلال الصهيوني في مصادمة مفضوحة للنصوص الشرعية، والتهجم المستمر على الـ “م”، والتشكيك في نتائج الـ “ط” ، والأفول الواضح للولايات الأمريكية المتحدة، خلافا لتصريحات ودراسات شخصيات ومراكز دراسات كثيرة جدا وذات مصداقية عالية في امريكا واوربا والعالم بأسره، ومنتجاتها منتشرة ومعلومة لدى الجميع.
– الوقوف ضد كل من يلتزم بالإصلاح السلمي والسياسي لوجه الله تعالى وخدمة للأوطان، وكرههم لا لشيء إلا بسبب التزامهم الديني، ومستوياتهم العلمية والفكرية العالية، واتهامهم باتهامات باطلة، من دون أي دليل أو قرينة، إلا بغرض الإرجاف، على نهج المنافقين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبني إ مع الأنبياء.
– ولاؤهم الأساسي لأنظمة خليجية وليس لأوطانهم ولا لأمّتهم، خلافا للحركات الإسلامية الوسطية التي توالي أوطانها وأمتها وتشتغل في شفافية ضمن المنظومات القانونية والدستورية وتعمل ضمن عمل سياسي وثقافي واجتماعي مشروع وشرعي قانونا وعرفا.
– تعميق الخلافات الطائفية والمذهبية، وليّ النصوص والكذب على شرع الله، وعلى الحقائق التاريخية، وتجيير الأحداث الغابرة بما يخدم الشقاق والتركيز على الصفحات السوداء في تاريخ المسلمين.
– التفنن في السلوكيات المنافية للدين والأخلاق، كالكذب على الناس، والبهتان والنميمة، والشتم، والسب، والوشاية، وتتبع السقطات.
كل هذه السلوكيات والتوجهات لا يمكنها أن تجتمع في مسلم سوي يؤمن بالله واليوم الآخر، فما هذا التيار سوى معول هدم للأمة وطابور خامس يشتعل بلا هوادة ضد المسلمين ضمن مخططات شيطانية، دولية ومحلية، كثير من تمظهراته غير حقيقية، وما كان منه حقيقيا فهو جزء من عصب غير متدينة أو منحرفة أو عميلة أو جاهلة.
وهم في كل الأحوال ظواهر غير ذات تأثير ، ولا مصداقية، ورغم الأموال الضخمة التي تنفق، والمجهودات الكبيرة التي تبذل، لم يستطيعوا تحقيق أهدافهم، فلا حملاتهم الدعائية تنجح، ولا مكائدهم تتوج، ولا يتجاوز عملهم الأذى العابر الذي يصيب الصالحين، على نحو ما أصاب النبي من أذى المنافقين، وعلى شاكلة ما وصل الصحابة والتابعين والعلماء والمجاهدين من إساءات المرجفين.
وكم مر على الأمة من هجمات من أمثال هؤلاء ثم اندثروا وما بقي إلا الذكر الطيب للصالحين، والإنجازات العظيمة لصالح الإسلام والمسلمين.
وصدق الله تعالى إذ يقول:
((لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى ۖ وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ (آل 111))
((لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (الأحزاب 60))
((إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (الأنفال36))
((إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (الحج 38)
حين ينظر الكثيرون إلى مجازر الاحتلال الفرنسي منذ وطأت أرجله المدنَّسة أرض الجزائر الطاهرة يعتقدون بأنها أفعال قادة سياسيين وعسكريين مجرمين يبحثون عن المجد والمنافع المادية فحسب. كل متمعن في الخلفيات الدينية والفلسفية لحركة الاحتلال يدرك بأن أولئك المجرمين يقتلون بلا وخز للضمير، متسلحين بقناعات دينية وفلسفية تشكلت عبر قرون طويلة في تاريخ الحضارة الغربية، المسيحيةـاليهوديةـ العلمانية، ويهدف هذا المقال إلى تبيان ذلك، مرحلة بعد مرحلة.
تندرج مجازر الثامن ماي في قالمة وسطيف وخرّاطة، ضمن هذه الخلفيات الدينية والفلسفية، وهي جزء من مسيرة الإجرام الفرنسي في الجزائر منذ بداية الاحتلال حين تعامل الاستعمار مع المقاومة الشعبية في إطار سياسة الأرض المحروقة ضد المدنيين العزل، وسياسات الإبادة والقتل الجماعي للسكان بالسلاح، وبالغاز في المغارات حين يحتمي بها الناس، كما حدث في غار الفراشيح لقبيلة أولاد رياح بنواحي مستغانم عام 1845، إلى حرق القرى والمداشر بأهلها وحيواناتها بالنابالم أثناء الثورة النوفمبرية، التي أراد بها ديغول إخضاع الجزائريين المدنيين، واستعماله “الغازات السامة” و”الغازات الخانقة” ضد المجاهدين في مغاراتهم بالجبال، في صورة مطابقة لما قامت به النازية ضد اليهود، وما يقوم به اليهود ضد الفلسطينيين اليوم.
وستبقى “الجرائم ضد الإنسانية” و”الإبادة الجماعية” التي قام بها الاحتلال الفرنسي في 8 ماي 1945 من أبشع جرائم الحضارة الغربية ضد الإنسانية، وهي جرائم فاق فيها عدد الشهداء في ثلاثة أيام عدد شهداء غزة في سنة. ولو كانت التغطية الإعلامية متاحة كما هو الحال اليوم لضجّت الأرض بتلك الفضائع في كل نواحيها في العالم.
ولم يكن سبب الإجرام عمليات جهادية غير محسوبة، كما يقول المتخاذلون والمنافقون بخصوص طوفان أ اليوم، أو ما قاله أمثال هؤلاء بخصوص هجمات الشمال القسنطيني في 20 أوت 1955، وما تبعها من بطش فرنسي في حق المدنيين آنذاك.
في الثامن ماي خرج الجزائريون في مسيرات سلمية للمطالبة بالاستقلال الذي وعدهم بها قادة الحلفاء أثناء الحرب العالمية الثانية.
تمعنتُ كثيرا في تشابه جرائم الإبادة التي قام بها الأوربيون ( خصوصا الإسبان والفرنسيون والإنجليز) ضد السكان الأصليين في الأمريكيتين، وما قام به الاحتلال البلجيكي في الكونغو ، وكل القوى الاستعمارية في البلاد التي احتلتها، في إفريقيا وآسيا، والجريمة الكبرى بالقنابل النووية في هيروشيما وناغازاكي باليابان التي اقترفها الأمريكيون، وما يقوم به الصهيانة اليوم على مرأى ومسمع العالم من جرائم حرب وإبادة جماعية. وعند الدراسة علمت بأن ثمة قاعدة فكرية وفلسفية واحدة شكلت هذه العقلية الإجرامية.
كنت بصدد تتبع التطور الفلسفي في العلاقة بين رجال العلم والفلسفة، والمسيحية، منذ القرون الوسطى إلى القرن التاسع عشر، فوجدت أن أغلبية الفلاسفة، سواء كانوا مسيحيين يدافعون عن المعتقدات الدينية أو ملاحدة أو ربوبيين ( يؤمنون بمسبب للكون دون الإيمان بالأديان) يشجعون حركة الاستعمار، وكثير منهم يبررون الإبادة إما دينيا أو فلسفيا.
ومما شدني إلى فكرة ربط أحداث ماي بالأبعاد الفلسفية والدينية للحضارة الغربية، نص صادم قرأته عن الفيلسوف “هربرت سبنسر” (Herbert Spencer- 1820-1903) أثناء إعداد كتاب أنا بصدد تأليفه عن “الحضارة في الفكر الإسلامي والفكر الغربي”. يقول سبنسر في هذا النص، وهو يجيب عن موقفه من الاستعمار وقتل الشعوب المحتلة: “إذا قيل إننا، على طريقة العبرانيين الذين كانوا يعتقدون أن من حقهم الاستيلاء على الأراضي التي وعدهم الله بها، بل وإبادة سكانها أحيانًا، نقوم نحن أيضًا ـ استجابةً لما نراه إرادةً ظاهرة للعناية الإلهية ـ بتجريد الأجناس الدنيا من أراضيها كلما احتجنا إلى تلك الأراضي، فيمكن الرد بأننا، على الأقل، لا نقتل إلا من يكون من الضروري قتله، ونُبقي على حياة الذين يخضعون”.
والمفارقة في هذا النص أن سبنسر يعبر عن شخصية ازدواجية، تشبه نفاق القادة الصهاينة والغربيين اليوم الذين يعلنون عن دفاعهم عن الحرية والديمقراطية ولكن يشجعون الاستبداد ويحتلون الشعوب ويقترفون المجازر في حقهم.
ف”هربرت سبنسر” ليبرالي متطرف يظهر اعتراضه للتوسع الامبريالي لأغراض سياسية تتعلق بمواقفه ضد الدولة المسيطرة، ولكنه عنصري يؤمن بأن “البقاء للأقوى” وهو المؤسس الأول لفكرة الارتقاء والتطور في الجانب الاجتماعي قبل اشتهار الفكرة في الجانب البيولوجي مع داروين، فهو على هذا الأساس يعتبر بأن أخذ الشعوب المتطورة لأراضي الشعوب المتخلفة أمر طبيعي وإن قاوموا الاحتلال وجب قتلهم حتى يخضعوا.
ويذكرنا سبنسر في هذه المقولة بأن الجرائم العبرانية في حق غيرهم مبررة في ديانتهم بالأمر الإلهي لأخذ بلدان غيرهم.
وحينما نتابع موقف الدينيين وغير الدينيين نجدهم جميعا على ذات النهج:
ففي الديانة “اليه&ود”ي..ة” المتحالفة اليوم مع المسيحية الإنجيليّة تُعدّ الإبادة وقتل الأطفال والنساء وتدمير المدن ذات خلفية تلمودية صار يُعلن عنها صراحة، وتُقرأ نصوصها على الجنود وفي وسائل الإعلام، وقد كُتب في ذلك الكثير فلا داعي للوقوف عنده.
وأما في المسيحية، فإن الفتوى بقتل الشعوب المحتَلة بدأت مبكرا مع القديس أغسطينوس (Saint Augustin – 354-440)، وهو من أبرز اللاهوتيين الذين ثبَّتوا عقيدة التثليث عبر كتابه المشهور “عن الثالوث” (De Trinitate)، فكان نوميديا مواليا لعقيدة المحتلين الرومانيين الأجانب وسندا لهم بالفتوى الدينية لاضطهاد وقتل أبناء بلده “الدوناتيين” الذين بقوا على التوحيد، باستخدام نصوص من إنجيل لوقا: ” أكرهوهم على الدخول (Compelle Intrare- 23/14)”.
وكان دوره حاسما ضد ثورة الشباب “الدوّارين” أتباع المسيحية الوطنية تحت قيادة القس “دوناتوس”، الذين كانوا يهجمون على المزارع الرومانية ويعطون ما يأخذونه للفقراء من أبناء بلدهم. ولو لا فتاوى أوغسطينوس ( الذي يحتفي به بعض الجزائريين دون معرفتهم للتاريخ أو إرضاء للقوة المتغلبة) وما تبعها من قتل جماعي واضطهاد شديد لانزاح الاحتلال الروماني قبل أن ينهي وجودهم الوندال لاحقا في معركة قُتل فيها “أوغسطينوس” دفاعا عن روما.
وأثناء مرحلة الاستكشاف للقارة الأمريكية لعبت الكنائس المسيحية ( الكاثوليكية والبروتستانتية) دورا محوريا في إبادة واضطهاد السكان الأصليين. ففي القرن الخامس عشر، أصدر البابوات “مراسيم بابوية” ( Inter Caetera عام 1493) تمنح الملوك الأوروبيين (الإسبان والبرتغاليين) الحق في غزو الأراضي غير المسيحية واستعمارها، وإخضاع سكانها، معتبرة أن هذه الأراضي هي “ممتلكات لا صاحب لها” (Terra nullius) لأنها لا تتبع للمسيحية، مما أضفى شرعية دينية على الاستيلاء على الأراضي وإبادة السكان.
كما استخدم المستعمرون البيض، النصوص الدينية البروتستانتية، خاصة للطائفة البيوريتانية (التطهريون) في أمريكا الشمالية، لتبرير “حرب الإبادة” ضد السكان الأصليين، معتبرين أنفسهم “شعب الله المختار” وأن السكان الأصليين هم عقبة أمام تحقيق الوعد الإلهي.
كما تسببت “المدارس الداخلية” والتبشير القسري مأساة لا تخطر على البال لأجيال من السكان الأصليين، خاصة في كندا والولايات المتحدة. وتحت الضغوط المتصاعدة من ممثلي السكان الأصليين ومنظمات ذاكرة الحرية اعترف البابا السابق “فرانسيس” عام 2022 بجرائم الكنيسة في تلك المراحل وأصدرت البابوية عام 2023 وثيقة رسمية اعتذارية بهذا الشأن.
وما حدث من تبرير لجرائم الاحتلال من قبل المسيحية في امريكا وقع في كل البلدان المحتلة في الهند والدول الآسيوية الأخرى وفي أفريقيا. وفي الجزائر شارك في احتلال الجزائر 200 فارس من فرسان مالطا الصليبيين، ونالت حملة الاحتلال بركة البابا، وسُمي الجنود الفرنسيون ب “جنود المسيح”، ثم كان الأساقفة والرهبان الأذرع الدينية للاحتلال الفرنسي للجزائر والتبرير لجرائمه والجوسسة والتنصير والمحو الثقافي، أمثال “الكاردينال شارل لافيجري” ( Charles Martial Lavigerie- 1825-1892)، و”الراهب شارل دوفوكو” ( Charles de Foucault- 1858-1926).
أما عن الفلاسفة فإن تبرير الاستعمار والاضطهاد والاسترقاق بدأ مبكرا في الفكر الغربي مع أرسطو وفق مفهومه لـ”العبيد بالطبيعة” الذين يفتقدون للعقل المدبر ولا يصلحون إلا لخدمة الأسياد، وقد مثلت فلسفته غطاء لسحق السكان الأصليين في أمريكا في القرنين السادس عشر والسابع عشر.
وقد يندهش القارئ حينما يعلم بأن منظري العقد الاجتماعي والديمقراطية وحقوق الإنسان في تلك القرون وما بعدها هم أنفسهم الذين نظّروا للاحتلال وبرروا الإبادة، فهذا جون لوك (1632-1704 John Locke) الإنجليزي، أب الليبرالية والمنادي بالحقوق المدنية، دعم مصادرة أراضي السكان الأصليين في أمريكا بحجة أنها أراض فارغة لا مالك لها ـ كما هي الرواية الص&هي..ون”ية المعاصرة ـ ووصف أصحاب الأرض بـ”الوحوش الضارية” التي يجوز القضاء عليها مثل الأسود والنمور إذا قاومت التوسع الاستعماري، كما ساهم في كتابة دساتير الولايات الأمريكية التي منحت السلطة المطلقة للأسياد على العبيد المختطفين أحرارا من إفريقيا، وكان هو ذاته مساهما في الشركات التي تتاجر بالعبيد.
وهذا هيغل (1770-1831 Georg Wilhelm Friedrich Hegel) الألماني، صاحب النظرية الفلسفية الأخلاقية، اعتبر الأفارقة والهنود شعوبا بدائية خارج التاريخ لا تدرك معنى الحرية، وأن استعمارها ضرورة لإدخالها عالم الحضارة. كما سار إيمانويل كانت (1724-1804 Immanuel Kant) ودافيد هيوم (1711-1776 David Hume) على الاتجاه العنصري ذاته، إذ تحدثا عن تفوق العرق الأبيض واعتبرا الشعوب غير الأوروبية أقل قدرة على العقل والتنظيم والمدنية.
ثم جاء هربرت سبنسر (1820-1903 Herbert Spencer) صاحب النظرية التطورية الاجتماعية ليمنح الاستعمار بعدا “علميا” عبر فكرة “البقاء للأصلح” كما بيناه أعلاه، فاعتبر هيمنة الشعوب القوية على الضعيفة نتيجة طبيعية للتطور التاريخي، وبرر الاستيلاء على أراضي “الأعراق الدنيا” وقتل المقاومين منهم عند الضرورة.
أما جون ستيوارت ميل (1806-1873 John Stuart Mill)، المنظّر الشهير للحرية الفردية، فقد رأى أن الحرية لا تصلح إلا للشعوب “المتحضرة”، وأن الشعوب المتخلفة يجوز إخضاعها بالحكم الاستبدادي حتى تتعلم المدنية، وقد عمل بنفسه في شركة الهند الشرقية البريطانية التي أدارت استعمار الهند ونهبها.
وهذا أوغست كونت (1798-1857 Auguste Comte) مؤسس الفلسفة الوضعية اعتبر الحضارة الأوروبية أعلى مراحل تطور الإنسانية، ومنح الاستعمار الأوروبي صورة “الرسالة الحضارية” تجاه الشعوب الأخرى.
أما الفيلسوف الفرنسي ألكسيس دو توكفيل Alexis De Tocqueville – 1835-1859) فقد عبّر عن الوجه البشع لليبرالية وتناقضه المقزز مع دعواته للديمقراطية في أشهر مؤلفاته، تماما كما هو حال الليبرالية الغربية، فهو الذي دعا إلى احتلال الجزائر لأغراض توسعية مكشوفة لدعم مكانة فرنسا أمام الدول، ودافع عن ذلك في البرلمان الفرنسي، ولم يكتف بالاحتلال العسكري فدعا إلى استيطان إحلالي للسيطرة من خلال تغيير الديمغرافية، وتبنى في كتاباته ومنها كتاب ” عمل عن الجزائر” عام 1841 سياسة إجرامية داعيا إلى استعمال القتل والإبادة لفرض الوجود الاستعماري، ونظّر لتفكيك المجتمع الجزائري، والفصل بين مكوناته وضرب وحدته
أما إرنست رينان (1823-1892 Ernest Renan) فقد دافع صراحة عن تفوق العرق الأوروبي وعن الاستعمار الفرنسي في شمال إفريقيا، وقسم البشرية إلى أعراق عليا وأخرى دنيا.
ثم جاء آرثر دو غوبينو (1816-1882 Arthur de Gobineau) صاحب نظرية “تفاوت الأجناس البشرية” ليضع الأساس الفكري لنظريات التفوق العرقي الآري، قبل أن يعمق هيوستن ستيوارت تشامبرلين (1855-1927 Houston Stewart Chamberlain) هذه الرؤية ويجعل من العرق الجرماني مركز الحضارة الإنسانية.
وحتى تشارلز داروين (1809-1882 Charles Darwin)، رغم أن نظريته كانت بيولوجية في أصلها، فإن “الداروينية الاجتماعية” التي تعضّدت بها “الداروينية الاجتماعية” نقلت فكرة الانتقاء الطبيعي إلى المجتمعات البشرية، فصار الاستعمار وإقصاء الشعوب الضعيفة وحتى إبادتها يُقدَّم كنتيجة طبيعية لصراع البقاء.
ثم جاء فرانسيس غالتون (1822-1911 Francis Galton) مؤسس “تحسين النسل” ليدعو إلى تشجيع تكاثر “الأعراق المتفوقة” والحد من تكاثر “الأعراق الدنيا”، وهي الأفكار التي تحولت لاحقا إلى سياسات عنصرية وإبادية في أوروبا وأمريكا.
وهكذا يتبين أن طبقات واسعة من رواد الفلسفة الغربية الحديثة التي رفعت شعارات الحرية والعقل والإنسانية كانوا في الوقت نفسه يوفرون الغطاء الفكري للاستعمار والعبودية وسحق الشعوب الأصلية باسم الحضارة والتقدم والتاريخ.
ولكل هذا، لا عجب أن يسجل التاريخ جرائم بالحجم الفضيع والمروع كما حدث في الثامن من ماي 1945، فالعقلية الغربية عقلية إجرامية، في كل مكان في الأرض، بأبعادها المسيحية واليهودية والإلحادية والربوبية، مقتنعة بأن ما تقترفه في حق الشعوب، من إبادة في حق الرجال والنساء والأطفال، وتدمير للبيوت والمنشآت المدنية هو عمل طبيعي، بل ضروري. وهؤلاء هم الممكنون في بلدانهم، وخطهم الإجرامي هو الخط الثابت المسيطر الذي لا توقفه أصوات الأحرار وأصحاب الضمائر من شعوبهم الذين لا قرار لهم ولا مكنة. فكيف يُتوقع الوصول إلى حل مع قادة هذا هو تكوينهم وهذه قناعاتهم سوى مقاومتهم وإخضاعهم لإرادة الشعوب؟ وهل يُتوقع أن يكون للأصوات الحرة من فاعلية إن لم تتناغم معهم مقاومة الشعوب المحتلة والمضطهدة؟
عبد الرزاق مقري.
بقلوب يعتصرها الحزن، وبمشاعر يملؤها الوفاء والتقدير، نودّع اليوم رجلًا من طراز خاص، عن عمر يناهز 37 عاما من عمره. ورغم شبابه جمع في شخصيته مزايا متعددة وأنجز من الأعمال ما يتجاوز عمره. جمع المرحوم بين الفكر والدبلوماسية، وبين الرؤية والعمل، فكان من القلائل الذين لا يُختزل حضورهم في موقع أو منصب، بل يمتد أثرهم عبر مؤسسات وعلاقات ومشاريع عديدة. نودّع المرحوم داتو سري قمر النعيم بن محمد فيصل، الذي لم يكن لقبه الشرفي الرفيع (داتو سري) الذي مُنح له من قبل دولة ماليزيا تكريمًا لخدماته الوطنية والدبلوماسية إلا انعكاسًا لمسيرة حافلة بالعطاء والتأثير.
لقد كان الفقيد عضوًا مؤسسًا لمنتدى كوالالمبور للفكر والحضارة (منتدى العالم الإسلامي للفكر والحضارة حاليا)، وعضوا فاعلا في أمانته العامة ومجلس أمنائه، وعضوا في مجلس أمناء “مؤسسة بردانا” المؤسسة الشريكة لمنتدى كوالالمبور في ماليزيا. ساهم المرحوم بفاعلية كبيرة في مختلف أنشطة المنتدى، وخاصة مؤتمراته الدولية حيث برز دوره بشكل لافت في القمة التي نظمها المنتدى سنة 2019 ،تحت قيادة الدكتور مهاتير محمد، والتي جمعت رؤساء ومسؤولي الدول المشاركة (ماليزيا وتركيا وإيران وباكستان وإندونيسيا)، إلى جانب قيادات فكرية ومجتمعية من أكثر من ثلاثين دولة، حيث كان رحمه الله من أبرز من أسهموا في إنجاح القمة، كمدير لها، من خلال التنسيق وتشبيك العلاقات وبناء مساحات الحوار والتعاون.
وإلى جانب حضوره الفاعل في المنتدى، الذي يشهد على التزامه بقضايا الفكر والحضارة في الأمة الإسلامية، والتعاون والتكامل بين المسلمين، تميزت مسيرته بنشاط متميز ضمن دائرة أوسع في المجلات الدبلوماسية والاستراتيجية، إذ كان مُيسّرا دبلوماسيا ومستشارا سياسيا استراتيجيا، ارتبط بعلاقات عمل وثيقة مع عدد من كبار القادة، وفي مقدمتهم الدكتور مهاتير محمد، حيث شغل منصب مبعوث خاص له، وأسهم في دعم حضور ماليزيا كقوة جامعة في العالم الإسلامي.
وقد تقلّد الفقيد مناصب رفيعة ومتعددة على المستويين الدولي والوطني، من بينها مستشارا لشركة الاستكشافات النفطية الكويتية (KUFPEC)، ومديرًا عامًا لشركة Alp Global في إسطنبول، إلى جانب عضويته في عدد من المؤسسات الدولية، كما أسهم في العمل الأكاديمي من خلال موقعه في جامعة العلوم الإسلامية الماليزية (USIM) وزمالته في الجامعة الوطنية الماليزية (UKM).
وقد كان حضوره الدولي لافتا، حيث شارك في لقاءات رفيعة المستوى مع عدد من قادة العالم، وكان ضيفا مكرّما ومساهما في قمم دولية كبرى، وشارك في حوارات استراتيجية مع قيادات دول مجلس التعاون الخليجي ورابطة دول جنوب شرق آسيا، كما اضطلع بأدوار مهمة في تعزيز التعاون بين دول الجنوب في العالم، وبناء جسور التفاهم في قضايا السلم والتنمية.
ومن أبرز ما ميّزه أيضًا إتقانه للغات الملايوية والإنجليزية والعربية، وهو ما مكّنه من التحرك بثقة بين فضاءات متعددة، وأن يكون جسرا حيا بين عوالم سياسية وثقافية مختلفة.
ولم يكن حصوله على وسام “بانغليما نغارا بينتانغ ساراواك” (PNBS)، الذي يُعد من أرفع الأوسمة في ماليزيا، إلا تتويجا لمسيرة زاخرة بالعطاء، وتجسيدًا لمكانته الوطنية والدولية.
غير أن الحديث عن داتو سري قمر النعيم لا يكتمل دون الإشارة إلى الجانب الإنساني الذي عرفناه عن قرب بأدبه الجم وعباراته اللطيفة وابتسامته الدائمة. فقد تشرفت باللقاء معه كلما زرت ماليزيا ، وفي العديد من الدول، في إطار مهمتي كأمين عام للمنتدى ، وكان حاضرًا معنا بشكل دائم في لقاءاتنا مع الدكتور مهاتير محمد، كما جمعتنا به جلسات مطوّلة تبادلنا فيها أطراف الحديث حول التجربة الماليزية، وأحوال الأمة، وقضيتها المركزية فلسطين، ولم يكن يتوانى في التدخل لتسهيل مهامنا في ماليزيا وتذليل الصعوبات التي تلاقينا. ورغم تميزه بسلوك التحفظ بصفته رجل دولة، فقد كان قريبًا، عميق الفكرة، ثريّ التجربة، واستفدنا منه كثيرًا في فهم تعقيدات الواقع، وفي إدراك أبعاد العمل الدولي، وفي استحضار المعنى الحقيقي للتعاون من أجل مصلحة الأمة.
إن رحيله ليس فقدًا لشخصية عامة فحسب، بل هو فقد لتجربة، ولرجل جمع بين الرؤية والقدرة، وبين الفكر والممارسة، وترك أثرا سيبقى ممتدًا في مساحات العمل التي خدمها بإخلاص.
رحم الله الفقيد، وجعل ما قدّمه في ميزان حسناته، ونسأل الله أن يجزيه عن أمته خير الجزاء، وأن يلهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
عبد الرزاق مقري
الأمين العام لمنتدى العالمي الإسلامي للفكر والحضارة
كان السادس عشر من أفريل، في سنواتنا الأولى بعد الاستقلال، يومًا مختلفًا عن سائر الأيام. لم يكن مجرد تاريخ في الروزنامة الدراسية، لقد كان حدثا تربويا متميزا ، يوقظ فينا معنى العلم ومعنى الوطن معًا. كنا صغارا في مقاعد الدراسة، وكانت روح نوفمبر لا تزال، من حولنا، عميقة في النفوس، حاضرة في وجدان المعلم، وفي خطاب المدرسة، وفي ذاكرة المجتمع كله.
كانوا يحدثوننا عن عبد الحميد بن باديس باعتباره رائد النهضة الجزائرية، وليس مجرد عالم أو مصلح، لقد كانوا يشعروننا بأنه الرجل الذي أعاد تشكيل الوعي الجزائري. وكم ترسخت في مخيال أجيال الاستقلال صورته الشهيرة تلك، إصبعه المرفوعة عند صدغه، كأنه يشير إلى موطن التفكير والوعي، إلى أن المعركة الحقيقية كانت معركة عقل قبل أن تكون معركة سلاح.
لقد كان يوم العلم يومًا مشهودًا بحق، تتحول فيه المدارس إلى فضاءات نابضة بالحياة: مسابقات ثقافية، عروض مسرحية، أناشيد وطنية، وخطب تستحضر فكر ابن باديس وروح الثورة. لم تكن تلك الأنشطة مجرد احتفالات، بل كانت عملية غرس متواصلة لأفكار الإصلاح في نفوسنا، وربطًا عميقًا بين العلم والتحرر، بين المعرفة والسيادة.
وكان قادة جيل المجاهدين، ممن عايشوا الثورة و شاركوا فيها، يحدثوننا بكثير من التقدير عن تأثير الإصلاح الباديسي في تكوين الجيل الذي فجّر الثورة. كان أبطالٌ نوفمبريون كبار في أحيائنا، منحهم جهادهم ضد الاستعمار مكانة كبيرة في النفوس، يرون في ابن باديس الأرضية الفكرية والأخلاقية التي أنجبت المجاهدين، ولذلك كان احترامهم للرجل كبيرا، يتجاوز حدود التقدير العلمي إلى نوع من الامتنان التاريخي.
إن عمق هذا التقدير يعود إلى زمن الحركة الوطنية قبل الثورة، إذ كان قادتها جميعا يلتقون على احترام ابن باديس، رغم اختلاف الرؤى والمسارات. كانت بينهم مساحات التقاء وطني كبيرة، و اتصالات، ولقاءات، ومشاريع مشتركة، وحماية متبادلة، ضمن تسامح بديع وتقدير متبادل، وكانوا جميعهم يدركون أن ذلك الرجل المعمم اللطيف الوقور، لم يكن يعمل من أجل فئة من الجزائريين دون أخرى، بل كان مشروعه مشروع وطن، مشروع أمة.
لقد تخصصت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في مهمة استراتيجية: تشييد المدارس في كل أنحاء الوطن، لمواجهة الجهل الذي كرّسه الاستعمار، وإعادة بناء الشخصية الجزائرية على أسسها الإسلامية وانتسابها للعروبة المحمدية وفق قوله رحمه الله: “شعب الجزائر مسلم .. وإلى العروبة ينتسب”، وترسيخ وحدة الجزائريين الثقافية، وتحديد بوصلة الحياة وفق قوله رضي الله عنه: “أعيش للإسلام والجزائر”. ولم يكن ذلك العمل الحضاري العظيم سهلا في سياق استعماري معاد، لقد كان جهادا حقيقيا، وكانت ساحته الأساسية في ميدان التربية والتعليم، التي لا تنهض الأمم بغيرها.
يحكي لنا الأستاذ بن مالك، رحمه الله، حين كنا طلبة في جامعة سطيف، وهو من علماء نواحي سطيف ببني ورتلان، وكان منتمياً إلى جمعية العلماء وقاضيًا في الثورة، قصة تختصر التحول الذي أحدثه ابن باديس في النفوس. يقول: “كنا قبل أن نعرف ابن باديس نشعر وكأننا ذباب أمام الفرنسيين، فلما جلسنا إليه، أحيى قلوبنا ونوّر عقولنا بالعلم، وبالسيرة النبوية، وتاريخ الفتوحات الإسلامية، وشعر النخوة العربية، فكنا نخرج من عنده نتمايل من الطرب نكاد نجعل الفرنسيين تحت أقدامنا” هكذا يصنع العلم الإنسان، وهكذا تتحول المعرفة إلى قوة.
ومن هنا كان العلم، عند ابن باديس، طريق النهضة الشامل، للرجال والنساء على حد سواء. وما تزال الصور شاهدة على ذلك، حيث يظهر هو والبشير الإبراهيمي في مدارس الجمعية، وبينهم فتيات من مختلف الأعمار، في رسالة واضحة بأن النهضة لا تقوم بنصف المجتمع.
وبمناسبة الحديث عن يوم العلم، أود أن أتطرق إلى بعض المسائل المعرفية المهمة، في إطار منهج جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، كامتداد للحركة الإصلاحية في العالم الإسلامي، كما تجلت في فكر جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا، وما أكد عليه لاحقًا مالك بن نبي، وتأثرت به شرائح واسعة من الموارد البشرية في الصحوة الإسلامية.
ومن أبرز هذه المسائل ما يتعلق بالثنائية المصطنعة بين “العلم الشرعي” و”العلم الكوني”، وهي ثنائية لم تنشأ في السياق الحضاري الإسلامي، بل تبلورت في سياقات فكرية غربية حديثة، خاصة مع تطور التخصصات العلمية منذ القرن التاسع عشر، وما رافق ذلك من توجهات فصلت بين مجالات المعرفة.
فالحضارة الإسلامية لم تعرف هذا الانفصال الحاد، بل عرفت نموذج العالم الموسوعي الذي يجمع بين علوم متعددة في إطار رؤية معرفية متكاملة. فهذا الإمام الشافعي كان فقيهًا وطبيا وأصوليًا ولغويًا، والرازي كان طبيبًا وفيلسوفًا ومفسرًا، وابن سينا جمع بين الطب والفلسفة، وابن خلدون بين التاريخ والاجتماع والاقتصاد.
وهذا النموذج لم يكن خاصًا بالحضارة الإسلامية، بل عرفته الحضارة الغربية في مراحلها التأسيسية أيضًا، حيث كان ديكارت فيلسوفًا ورياضيًا، وكان باسكال عالم رياضيات وفيزياء وفيلسوفًا، وكان آدم سميث فيلسوفًا أخلاقيًا واقتصاديًا، كما جمع نيوتن بين علم اللاهوت والفيزياء والرياضيات والفلسفة الطبيعية، وكان كوبارنيكوس رجل دين وعالم رياضيات وفلك.
إن القاعدة التي تحفظ التوازن هي قاعدة التعميم والتركيز: أن تتشكل لدى الطالب أرضية معرفية واسعة متعددة العلوم، ثم يتخصص بعد ذلك في مجال أو مجالين أو أكثر، حسب همته وقدراته وظروفه، فيكون صاحب علم وفكر، خلافا للتوجهات المتأخرة للحضارة الغربية التي تركز على التخصص فتجعل العالم متبحرا في اختصاصه، ولكنه ساذج، دون أي قدرات فكرية، لا يعرف شيئا عمّا يحدث خارج مخبره، ولا يشعر بأي اهتمام لما يحدث في وطنه وفي العالم، فيكون بذلك، مجرد أداة فائقة الإبداع في الاختصاص لصالح الآلة الرأسمالية التي تتحكم فيها أقلية متحكمة في ناصية حياته وحياة البشرية.
غير أن الواقع المؤلم في كثير من بلداننا الإسلامية أن الطلبة لا ينجحون لا في العلوم الشرعية ولا في العلوم الكونية، لا في الثقافة العامة ولا في الاختصاص، وأن بعضهم لا يتفوق إلا حين يخرج خارج هذا الفضاء التعليمي المختل. وهذا يطرح سؤالًا عميقًا حول طبيعة المنظومة التعليمية وأولوياتها.
وقد أشرت في حلقة البارحة من برنامج “مسافة صفر” إلى مسألة أخرى تمثل إشكالا بالغ الخطورة، يتعلق بوضعية العلوم الاجتماعية في بلداننا، كعلم الاقتصاد، وعلم الاجتماع، وعلم النفس، والآداب، والتاريخ. فهذه العلوم، التي تحمل في بنيتها حمولة ثقافية غربية عميقة، تُترك غالبًا للطلبة الأقل تفوقًا في شهادة البكالوريا، مما ينقص فرص بروز المفكرين الكبار القادرين على إعادة بنائها في ضوء مرجعيتنا الحضارية.
ذلك أن تفكيك هذه العلوم من حمولتها الثقافية الغربية وإعادة تركيبها ليس أمرا يسيرا، بخلاف العلوم الكونية (الطبيعية والرياضية والتقنية) التي يمكن التحكم فيها وتحييد أبعادها الثقافية. فتخصص النجباء في العلوم الكونية أمر محبذ ولكن، من جهة أخرى، نحرم بلداننا من نخب فكرية قادرة على بناء مشروع حضاري متماسك لو تخصصوا كذلك في العلوم الاجتماعية.
إن هذا النهج، المبني على التركيز المتوازي للعلوم الاجتماعية من داخل المنظومة الثقافية المحلية، وللعلوم الكونية، وتوجيه النجباء إليها جميعا، معمول به في الدول الناهضة، خارج العالم الإسلامي، بل ومن داخله في بعض البلدان الإسلامية، مثل ماليزيا وأندنوسيا وتركيا وإيران وباكستان، فهذه الدول تسير بخطى ثابتة، بدرجات متفاوتة، في التحكم في العلوم الكونية والتكنولوجية، مع المحافظة على قدر معتبر من السيادة الثقافية والحضارية في مجال التعليم عبر الاهتمام الكبير بالعلوم الاجتماعية. وهو ما يؤكد أن الإشكال ليس في طبيعة العلوم، بل في كيفية التعامل معها وموقعها ضمن المشروع المجتمعي.
إن يوم العلم ليس مجرد استذكار لابن باديس رحمه الله، بل هو دعوة متجددة لإعادة طرح سؤال النهضة: كيف نبني إنسانًا حرًا بعلمه، معتزًا بهويته، قادرًا على فهم العالم والتأثير فيه؟
ذلك هو الدرس الذي تركه لنا ابن باديس، وذلك هو التحدي الذي لا يزال قائمًا.
د. عبد الرزاق مقري
لأول مرة يجلس لبنانيون رسميون مع ممثلي الكيان وجها لوجه على طاولة واحدة، بوساطة أمريكية. لقد وجدت السلطة اللبنانية نفسها في مأزق حقيقي لم يكن له من سبب سوى نقض الكيان اتفاقية وقف إطلاق النار الأخير بين الجيش الإسرائيلي وحزب الله الذي دخل حيز التنفيذ يوم 27 نوفمبر 2025.
تعلم الحكومة اللبنانية أن الحزب التزم بالاتفاق في حين أن الكيان خرقه أكثر من 1350 مرة.
كان من حق حزب الله أن يستأنف المواجهة عند أول خرق للاتفاق، وقد أظهرت الحرب القائمة أنه قادر على ذلك وإنما صار محاصرا بالقرار الوطني اللبناني.
لقد فهم حزب الله، كما فهمنا جميعا، بأن تدمير العدوان الصهيو-أمريكي لإيران، هو القضاء عليه فورا بعد ذلك، فانخرط في الحرب. ونحن جميعا نعلم أن انتصار الأمريكيين والإسرائيليين على إيران تأتي بعده استباحة سوريا ثم الأردن، ثم العراق، ثم كسر مصر وتركيا، ثم باكستان، ثم إخضاع العالم العربي والإسلامي كله، عبر عملاء يحكموننا لصالح المصالح الأمريكية وإسرائيل الكبرى.
كان طلب الأمريكان والصهاينة أثناء اتفاقية وقف إطلاق النار أن يقوم الجيش اللبناني بنزع سلاح حزب الله، غير أن الأمريكيين والإسرائليين يعلمون بأن المهمة المستحيلة وإنما المقصود أن تقوم حرب أهلية في لبنان تجعل هذا البلد يسقط في يد الصهاينة بلا عناء.
حين دخل حزب الله الحرب مع إيران فقدت الحكومة اللبنانية صلاحية قرار الحرب، وحينما أرادت إيران إدخال لبنان في شروط وقف القتال شعرت بأنها تفقد قرار السلم. وبدل أن يبني المسؤولون اللبنانيون موقفهم على أساس أن أرضهم محتلة من قبل العدو الصهيوني راحوا يبحثون عن شرعيتهم المنقوصة بالجلوس مع الكيان في مفاوضات لن يأخذوا منها أي مكسب لصالح لبنان، فلن يعطيهم الإسرائليون شيئا، وسيكونون في المفاوضات، على ضعفهم، في مواجهة خصمين، وبدون أي ورقة لصالحهم، خصم فض وقح مستكبر هم الإسرائليون، وخصم ماكر مخادع يعمل على تحقيق المطالب الإسرائيلية بالكلام المعسول المسموم.
فما هي المطالب الإسرائيلية-الأمريكية؟
كل الذي يُراد تحقيقه في اللقاءات هو ما يلي:
– تحقيق اختراق تطبيعي بلا تكاليف.
– توريط السلطة اللبنانية بتكليف جديد من الأمريكان والإسرائليين بنزع سلاح حزب الله دون قرار ولا التزام بانسحاب الإسرائليين من الأراضي اللبنانية المحتلة، والتعهد بتسليح أمريكي إسرائيلي للجيش اللبناني، لا لإنهاء حزب الله فقط بل لإنهاء لبنان كله عبر حرب أهلية تأتي على الأخضر واليابس.
– محاولة التفريق بين حركة أمل وحزب الله، وتحويل كل القوى اللبنانية ضده.
– محاولة جر دول عربية أخرى للمواجهة وتحويل أرض لبنان لساحة معارك بالوكالة بين دول المنطقة لمصلحة إسرائيل.
هذا تدبيرهم، وهذا مكرهم، ولكن لا شيء من ذلك سيتحقق، إنما هم يتخبطون.
الجميع متفرقون في لبنان، ولا أحد يرغب في الدخول في حرب أهلية، والشيعة في عمق الجيش اللبناني، وقادة الجيش لا يرغبون في انقسام المؤسسة العسكرية، وأغلبية شعوب المنطقة باتوا يدركون بأننا نعيش تسارع الأفول الأمريكي، وتسارع نهاية الكيان، وأن لا أمن يتحقق بغير الاعتماد على الذات وبالكلمة الواحدة ضد الاحتلال والاستكبار .
د. عبد الرزاق مقري
قول واحد: إنه الشعور بالهزيمة! حينما علم الإسرائليون بوقف إطلاق النار هاجوا على رئيس وزرائهم، واتهموه بأنه جعل إسرائيل تخسر سياسيا واستراتيجيا، ونقلت وسائل الإعلام هذا الهيجان بوضوح، ففجر غضبه على لبنان بمائة غارة في عشر دقائق راح ضحيتها قرابة مائتي شهيد لتغيير المزاج العام عند شعبه، ولكسر بند في أرضية المفاوضات وهو أن يشمل وقف إطلاق النار لبنان، وإذا أمكن دفع إيران إلى الرد لإفشال الاتفاق بينها وبين الولايات الأمريكية المتحدة.
هل سيؤدي هذا إلى سقوط الاتفاق؟ لا أظن ذلك.
والسبب أن الأكثر حرصا على وقف الحرب هو ترمب، وقد بينت وسائل الإعلام الأمريكية الأكثر انتشارا أن ترمب دخل الحرب بحدسه وبتقديرات خاطئة قدمها له أنصار الحرب في البيت الأبيض، وخصوصا من الكيان الصهيونى بأن الظروف مناسبة لانتفاضة الشعب ضد النظام إن وجّهت له ضربات قوية وقطع رأسه، ولكنه فوجئ بصمود عظيم من الإيرانيين وقدرة كبيرة لتوسيعهم كلفة الحرب على امريكا والعالم بأسره.
لقد كانت المؤسسات الأمنية والعسكرية ومراكز الدراسات الاستراتيجية تدرك الحاجة إلى بترول ايران والسيطرة على مضيق هرمز لقطع الطريق على الصين، ومع ذلك نصحوه بأن تحقيق النصر على ايران غير متاح، بالنظر إلى الهزائم الأمريكية في العراق وأفغانستان والصومال.
ولما عجز ترمب عن تحقيق النصر بالضربات الصاروخية والجوية وجد نفسه في مواجهة قادة الجيش الأمريكي في أمرين اثنين: اعتراضهم على الدخول البري، وعدم استعدادهم لتحمل تهم جرائم الحرب في حالة الهجومات التدميرية الشاملة لإيران.
وبالإضافة إلى ذلك أصبح تباعده مع حاضنته الاجتماعية التي وعدها بالاهتمام بامريكا أولا وعدم شن الحروب في الخارج ( تيار ماغا) يزداد يوما بعد يوم، لا سيما وأنه يقترب اكثر فأكثر من التجديد النصفي للكونغرس
لهذه الأسباب كلها أصبح ترمب تحت ضغط شديد جعله يفقد توازنه ولم يعد يتحكم في فحش لسانه في تصريحات علنية.
لا يوجد شك بأن المجزرة التي اقترفها الكيان في لبنان كانت بموافقة أمريكية، سواء بسبب الضغط الشديد على ترمب من اللوبي الإسرائيلي، أو لعدم التضحية بحليفه الشخصي نتنياهو الخاسر الأكبر في الحرب، أو لوضع ايران تحت الضغط أثناء المفاوضات.
اعتمد ترمب ونتنياهو أسلوب المغامرة في التصعيد لاختبار الموقف الإيراني، لمقصدين مختلفين. وما فعلته ايران بالرد بغلق المضيق متوقع جدا ، وفي حالة عدم نجاح الوسطاء في كبح جماح الكيان عن طريق ترمب ستعود قطعا للقصف الشامل.
والذي أراه أن التخلي عن لبنان سيتسبب في سقطة أخلاقية مدوية لإيران مهما كانت الظروف ولو عودة الحرب وتنفيذ ترمب تهديده بتدمير إيران، ويجب أن تتعاون ايران في هذه الظروف مع ملفات المواجهة على النحو التالي بالتدرج:
– تكثيف الضربات الصاروخية على إسرائيل بأنواع بالستية مدمرة وبلا هوادة
– غلق مضيق هرمز من جديد
– ضرب القواعد العسكرية وحاملات الطائرات الأمريكية
– الامتناع عن ضرب المنشآت الخليجية، والدخول مع الدول الخليجية، في حوار لكي تقوم بواجبها على الضغط الشديد على ترمب ليلتزم بأرضية المفاوضات وعلى رأسها وقف العدوان على إيران، وهم يملكون كيف يضغطوا عليه لو أرادوا.
أتوقع أن ترمب سيحرص على وقف الحرب وسيضغط على نتنياهو ، والذي يجعل نتنياهو يلتزم فعليا بقرار ترمب هو ما يلحقه من إيلام من إيران، وما يراه من ضغوطات أمريكية على ترمب.
د. عبد الرزاق مقري
في هذه الحلقة من برنامج “المسافة صفر”، نقف عند أخطر لحظة في عمر أي مؤسسة أو مشروع: إدارة لحظة التحول.
من قصة موسى عليه السلام، إلى بدر والخندق ومؤتة، وصولًا إلى نماذج معاصرة في إدارة الصراع والمقاومة، نكتشف كيف تُصنع القرارات المصيرية في اللحظات الحرجة.
نتناول في هذه الحلقة:
شاهد من الواقع
ما معنى إدارة لحظة التحول؟
المهم أن لا تشترط على الله.
غزوة مؤتة: نموذج في إدارة لحظة التحول
النموذج العملي – طوفان الأقصى
عناصر إدارة التحول الناجح
في هذه الحلقة من برنامج “المسافة صفر”، ننتقل من الوعي إلى الفعل، من الفكرة إلى الإنجاز، ومن الإدراك إلى صناعة المستقبل.
نناقش كيف تتحول المبادرات العملية إلى نقطة الانطلاق الحقيقية لأي نهضة، وكيف يصبح الفرد المؤمن فاعلًا في التاريخ لا متفرجًا عليه، من خلال قراءة عميقة للسيرة النبوية، وتجارب المقاومة، وسنن التغيير الحضاري.
نتناول في هذه الحلقة:
شاهد من الواقع
الوعي وحده لا يكفي
النموذج النبوي في تحويل الوعي إلى فعل
طوفان الأقصى: الوعي المتجسد
مركزية المبادرات العملية
في هذه الحلقة من برنامج المسافة صفر، ننطلق من لحظة سقوط بغداد، لنفهم كيف تتعامل الحضارات مع الانكسارات الكبرى، ولماذا لا تكون الهزيمة دائمًا نهاية الطريق.
نتناول في هذه الحلقة:
إدراك السنن وتحرير الوعي من أسر اللحظة
البنية الحضارية العميقة
الوعد الرسالي واستمرارية المشروع
قراءة التحولات العالمية بعين حضارية
الأمل بوصفه مشروعًا
داء القُطرية بين تمزيق الجغرافيا وإعادة تشكيل الوعي
في هذه الحلقة من “المسافة صفر” نكشف كيف نشأ هذا الداء، وكيف يمكن تجاوزه نحو أفق حضاري جامع.
نتناول في هذه الحلقة:
شاهد من الواقع
الأمة في التصور الإسلامي
متى تشكل داء القُطرية؟
الدولة القومية والمصلحة الوطنية
الرؤية الحضارية: الأفق المفقود
آثار داء القُطرية
مسار المعالجة
يعلمنا التاريخ أنّ الأقطاب الدولية ليست ثوابت أزلية، بل كيانات تحمل في ذروة قوتها عوامل أفولها.
في هذه الحلقة نسلط الضوء على زلزال سقوط نظام الشاه في إيران؛ لنحلل الفجوة القاتلة بين حسابات القوى العظمى وواقع الشعوب، وكيف يؤدي الجهل بتركيبة المجتمعات إلى اِنهيار أعظم التحالفات.
نتناول في هذه الحلقة:
شاهد من الواقع
فهم الخصم
تفكيك صورة الاستعلاء الحضاري
بناء تحالفات وتوسيع الهوامش
تفعيل الجاليات المسلمة في الغرب
الإمبراطوريات لا تسقط فجأة…بل تبدأ بالاستنزاف، ثم تفقد معناها، ثم يكتب التاريخ فصلًا جديدًا.
نتناول في هذه الحلقة:
شاهد من الواقع
الاستنزاف الإمبراطوري وقانون التاريخ
التصدع الداخلي للنموذج الحضاري
صعود قوى جديدة وتآكل الأحادية القطبية
contact@abderrazakmakri.com